مدعومة باللاءات الغربية.. الهستيريا الإسرائيلية في مواجهة باقي العالم

تشتغل الآلة الدعائية الصهيونية، ومنذ اختلاق الكيان المحتل، على تسويق صورة نمطية مشعّة للغزاة اليهود، وتقديمهم للعالم على أنهم حملة رسالة وأهل حضارة، وأنهم دعاة سلم وبناة ديمقراطية وحماة حرية، وأنّ كل ما يقومون به اليوم في فلسطين المحتلة يدخل ضمن نطاق إستراتيجية طويلة المدى، معقّدة التخطيط والتقرير، دقيقة الرّسم والتصوير، كان قد تشارك في إعدادها علماء ومفكّرون ومثقفون طوال عقود مديدة من العمل المضني والكدّ المنهك، استشرافا للمستقبل واستباقا للوقائع والأحداث.

إلا أنّ التاريخ، وعلى مدى سبعة عقود خلت، قد أثبت بما لا يدع مجالا للمواربة والخداع، بأنه؛ كلما كَبُرَ هذا الكيان، كَبُرَ جرمه.. وكلما طال بقاؤه، استطال صلفه.. وكلما امتد عمره، تمدّد عدوانه.. يتخذ من خرافة “المحرقة” رداءً يتخفى به ليستعطف قلوب الناس، وخلفه يمارس أبشع الجرائم وأفظع المجازر بحق المدنيين العزل والأطفال والنساء.. مؤكدا في كل مرّة – من حيث يدري ولا يدري – على أنه مجرّد جيب استعماري عنصري حديث وورم سرطاني خبيث، وجب استئصاله حتى تتعافى، ليس المنطقة العربية وحدها، ولكن البشرية كلها ستستريح من شروره.

إنّ “العبقرية اليهودية” التي طالما صدّع الصهاينة والمتصهينون رؤوس الناس بها، ليست في الحقيقة سوى ضرب من ضروب الخرافة والبهتان، ذلك أنّ شكل الجرائم المرتكبة بأيدي هؤلاء “العباقرة”، لا تعبّر إلا عن حجم الغباء ومستوى الجهل وكمّ الحقد المتراكم في قلوب وصدور هؤلاء السفلة الحمقى.. فالأذكياء أبدا لا يؤذون غيرهم، والعباقرة دوما في عون الآخرين حبّا وطواعية.. فلم يتبق سوى البلداء والأنذال والحقراء، لارتكاب الفظائع وتنفيذ الجرائم وإتيان الفساد.. فلا تخطيط ولا إستراتيجية ولا فكر ولا دراسات، وإنما هي الخساسة والدناءة واللؤم، لا أكثر.

لقد أثبت الصهاينة بعجرفتهم وغطرستهم، بأنهم الورثة الشرعيون للإرث الاستعماري الغربي الأسود، بكلّ بشاعته ووحشيته.. ذلك أنّ الحقد الأعمى الذي يحمله الغرب للشرق، أو ما تحمله أوروبا المسيحية للشرق العربي المسلم، قد تَلَخَّصَ في ممارسات الكيان الإجرامية وسياساته العنصرية بحق الشعب الفلسطيني العربي.. والغرب يعرف هذا والصهاينة يعرفون، حتى أنهم وفي كثير من المحطات يخيل للمتابع بأنهم يزايدون على الجريمة بأجرم منها، وذلك ما عبّر عنه الوزير الصهيوني الحالي “النتن-ياهو”، بكل صلف وعنجهية، وهو يرد على الأمريكيين الذين يحاولون نفض أيديهم من جرائمه المنكرة بغزة، خاصة بعدما امتنعوا عن تفعيل حق النقض لصالح الكيان، ضدّ قرار وقف إطلاق النار الصادر عن مجلس الأمن الدولي.

فقد أفضى الموقف الأمريكي “الشاذ” بالامتناع عن التصويت، إلى بروز توتّر طارئ في العلاقات الأمريكية – الصهيونية، كسابقة نادرة لم يعهدها الوضع القائم بين الحليفين منذ اختلاق الكيان المحتل، ذلك أنّ الدعم المطلق من قبل واشنطن لـ”تل أبيب”، لم يكن أبدا محل اختبار أو جدل إلا هذه المرّة، بسبب غزّة التي زلزلت العلاقات الدولية وأعادت رسم خرائط جديدة، والتي قد تعصف حتى بمخلفات مخطط “مارشال” التاريخي الذي جعل من أوروبا مجرّد “بيت خلاء” لإنفاذ السياسة الدولية لواشنطن.

في حرب العدوان على غزّة، وأمام امتعاض الولايات المتحدة الأمريكية من التجاوزات الإجرامية للـــ”نتن-ياهو”، ورفضه المطالب الأمريكية بعدم القيام بعملية عسكرية واسعة في رفح، بدعوى ضرورة ضمان أمن المدنيين هناك، ردّ المجرم بكل وقاحة؛ “رأينا ما فعله الأمريكيون في الفيليبين.. فقد قاتل الجيش الأمريكي في أماكن مأهولة كذلك، ورغم أنها كانت أقل اكتظاظا من غزة، إلا أنهم قتلوا فيها أكثر من مائة ألف فيلبيني.. وتسبّبوا بخسائر أكبر من التي تسببنا بها في غزة، لا مفر من عملية برية في رفح”.. كلام معتوهٍ غادرٍ متجبرٍ بلا عقل ولا شرف ولا أخلاق.

مستدركا في ذات السياق بقوله؛ “كان لأي رئيس وزراء – للكيان الصهيوني – آخر غيري، أن يستمع لــ”واشنطن”، فيوافق على حل الدولتين، ويتخلى عن الهجوم على رفح.. وسيحصل مقابل ذلك على علاقات ممتازة مع الأمريكيين، لكنه سيخسر “إسرائيل”.. في تقرير واضح ومفصّل لشكل “الكيان” الذي يقوده هذا الإرهابي القاتل.. فلا حلّ لدولتين في المدى المنظور، ولا توقّف عن الجرائم في المدى المحصور، ولا تصوّر مستقبلي في نظر هذا المتعجرف لغدٍ آمن ومستقر في المنطقة، وأنّ كل ما يصبو إليه المجتمع الدولي، ويسوّق له بين الفينة والأخرى، لن يكون سوى عملية خداع مستمر وأوهام قابلة للتفاوض مستحيلة التنفيذ، بوجود عصابة متطرّفة مجرمة على رأس الكيان المحتل.

إذا، فالمسألة إنسانية أخلاقية بالدرجة الأولى، تتجاوز حدود الدبلوماسية والسياسة والعلاقات.. وهي القيم التي يفتقدها الصهاينة ويكفرون بها على الملأ، بل وتفتقر إليها المدرسة الاستعمارية التي أنجبت وأوجدت هذا “المسخ” الآبق غير القابل للتعايش والاستمرار. فقد أوضح زعيم عصابة “تل أبيب” من خلال ما سبق، بأنّ الاختلاف بين أمريكا والكيان، لا يكمن في المبدأ وإنما في الشكل فقط.. بمعنى؛ ليس في مبدأ إبادة الفلسطينيين، وإنما في كيفية تنفيذ عملية الإبادة أمام الرأي العام ليس إلا.. وهو يقارن جرائمه الجارية بالجرائم السابقة للأمريكان؛ لقد رأينا ما فعلتم في “الفيليبين”، وكيف قتلتم مائة ألف شخص في ظرف وجيز.

على الجبهة الأوروبية، أثار تصريح “جوزيب بوريل” مسؤول السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، استياء العصابة الحاكمة في الكيان الصهيوني، وذلك عندما قال؛ “إنّ الدمار الذي لحق بغزّة قد تجاوز حجم الدمار الذي شهدته المدن الألمانية أثناء الحرب العالمية الثانية، وأنّ غزّة قد تحوّلت من أكبر سجن مفتوح، إلى أكبر مقبرة في الهواء الطلق، أين دُفِنت الجثث جنبا إلى جنب مع القيم والأخلاق الإنسانية”.. حيث جاءه الردّ الصهيوني في شكل تذكير له وللأوروبيين بما حدث في البوسنة والهرسك العام 1995، ومذبحة “سربرنيتشا” في قلب العالم “المتحضر”، حيث أعيد نشر صورة للقائد العام لقوات حفظ السلام الأممية، الهولندي اليهودي “توماس جاكوب كاريمانز” وهو يتناول النبيذ الأحمر مع المجرم الصربي “راتكو ملاديتش” قبل وقت قصير من تنفيذ مذبحة المدينة الشهيدة.

اليهودي “جاكوب كاريمانز” قائد قوات حفظ السلام الأممية، عمل على نزع سلاح المسلمين البوسنيين، ووعدهم في المقابل بالأمن والحماية من قبل قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، قبل أن يزفّ الخبر “السعيد” إلى صديقه الصربي “راتكو ملاديتش” والذي لم يكن يعسكر بعيدا عن “سربرنيتشا”، ليحرّك قواته المدجّجة بمختلف الأسلحة الثقيلة والخفيفة، ويدخل أراضي المسلمين، ويفاجئهم أمام أعين القوات الهولندية المكلّفة بحفظ السلام تحت لواء الأمم المتحدة، والتي اكتفت بالانسحاب، وترك المدنيين العزل تحت رحمة جحيم القتل والذبح والاغتصاب، في مذبحة أحصت أكثر من ثمانية آلاف مسلم في ظرف أربعة أيام، بمعدل مائة قتيل لكل ساعة، مع تعرّض عدد مماثل من النساء والفتيات وحتى البنات الصغار إلى عمليات اغتصاب إجرامية، في أبشع صورة شهدتها أوروبا وهي على مشارف توديع القرن العشرين.

ثلاثمائة ألف مسلم بوسني لقوا حتفهم غدرا وحقدا وإبادة في قلب أوروبا، في تأكيد واضح على أنّ “الكيان الصهيوني” في الحقيقة، ليس سوى منتوجا خالصا للحقد الاستعماري الغربي، وامتدادا طبيعيا للحركة الاستعمارية والفكر الكولونيالي، بكل ما يحمل من حقد وغلّ وغدر، والذي لم يبدأ حملاته ضدّ المسلمين في العالم بُعَيْدَ أحداث سبتمبر/أيلول 2001م كما يسوّقون لذلك، وإنما كانت وظلّت مستمرة، وبوتيرة متزايدة، منذ أكثر من قرنين من الزمان.

إذًا، والحال على ما هو عليه، لن يتم لجم غطرسة الكيان الصهيوني اليوم، وقد بلغ من الصلف مبلغا لا يطاق، ولن يعود إلى رشده أبدا، فهو أصلا لا رشد له ولا عقل، وقد أنجبه الزيغ وأنتجه الزلل وأسّسه البهتان.. فلم يتبق سوى الردع العسكري، كما أشار إلى ذلك الرئيس تبون، كخيار إستراتيجي فعال، لبسط سلطة الحق والقانون، وإنفاذ قرارات المجموعة الدولية ومجلس الأمن.

مصطفى بن مرابط - الجزائر

مصطفى بن مرابط - الجزائر

كاتب في الأيام نيوز

اقرأ أيضا