مرحلة ما بعد “إسرائيل” بدأت.. غزة تحرّر العالم

في تسارع للأحداث الدولية على جبهة الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي منذ وعد بلفور المشؤوم، لم يحدث أن وقف العالم أمام نفسه في مصارحة مع الذات، كما يحدث اليوم، حيث الإجماع الدولي اليوم ليس فقط شعوبا ثائرة على الإجرام الصهيوني وعلى التآمر الأمريكي، ولكنه حِراك رسمي من هيئات أممية، تمردت على سياسة التكميم والتبعية والسيطرة، لتعلنها حربا أخلاقية، لاستعادة دورها الإنساني وسيادتها القانونية، بتسجيل موقفها الواضح من لعبة الغاب الأمريكو-صهيونية، التي كانت وإلى وقت قريب هي “قانون” الغالب والقوي، الذي لا استئناف ولا طعن في قراراته وأحكامه.

لكن، بين ذلك الأمس القريب الذي حمل صفة قانون الأمر الواقع، وبين اليوم وما حمل من تحولات لصالح “البشرية”، فإن معركة وملحمة غزة، ورغم الثمن الباهظ الذي دفعته، حررت إرادة الهيئات الأممية من تبعيتها لمشيئة القوى العظمى، لتبعث فيها نفسا جديدا، عنوانه الكامل، أن القوانين الدولية، إما أن تكون كل لا يتجزأ وتحترم وتطبق من الجميع، وإلا فعلى العالم السلام..

محكمة العدل الدولية، والتي كانت سيفا مُسلطا على الدول والشعوب الضعيفة لعهود من القهر والاستغلال والسيطرة، تشهر سيفها، لكن هذه الكرة والمرة، عكس سابق العراق وليبيا وإيران وسوريا، حين تم استغلال قرارتها لإبادة شعوب ومحو خرائط وقرصنة عوالم، وإنما ضد “إسرائيل” بشحمها ووحشيتها ولحمها الذي كان مُرًا ويُحظر التلميح إليه، فما بالك الاقتراب منه! ليصحو العالم الآن على قرارات أممية لا مجاملة فيها ولا خوف من تبعاتها، كما أن وضوحها لم يصدم فقط ملة نتنياهو و”هجين” السامري، ولكنه أثار جنون “بلفور” ذاته، من خلال جنون أمريكا وبريطانيا وكل حاضنة الهجين الصهيوني منذ عهد بلفور وما ترتب عنه من قرصنة وسلب تاريخيين لحق شعب ظل صامدا ومدافعا عن حقه من يوم النكبة إلى زمن الأقصى وطوفانه هذا.

لتكون النتيجة، بعد 70 سنة من نشأة “الخرافة”: ماذا تفعل “إسرائيل” في فلسطين؟ بل في العالم كله؟ والقائل هنا ليس أمة عربية مغلوبة على أمرها، ولكنه العالم من خلال هيئات أممية رسمية، امتلكت الجرأة الكاملة لنبش قبر “بلفور” وإخراج وعده المشؤوم ووضعه فوق طاولة القانون الدولي والضمير الإنساني، وذلك في سؤال عالق عنوانه: من أين خرج هؤلاء “الوحوش”، وكيف صمت العالم كله على قرون من الهمجية والجرائم على مثل هكذا جنون صهيوني؟

هي المرة الأولى في تاريخ الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية، التي وجدت فيها “إسرائيل” نفسها بلا حماية ولا حصانة ولا دروع تحميها وتبرر جرائمها، وهي المرة الأولى التي يقف فيها “الفيتو” الأمريكي أمام “عاره” التاريخي والإنساني، وهي المرة الأولى التي تصل فيها لعبة التحالف الأمريكو-صهيوني والغربي، إلى الجدار، حيث القيم والمُثل الأخلاقية والقانونية، حشرت كل المتآمرين في الزاوية الضيقة، وبطل الملحمة، غزة ثارت فأقنعة تناثرت من على وجه الخرافة وكل خرافة، سواء كانت “إسرائيل” أو كانت ديمقراطية وحرية مزيفتين، والمهم فيما انتهى إليه العالم، أنّ مرحلة ما بعد “إسرائيل”، وليس نتنياهو فقط، أصبحت مسألة سنوات إن لم نقل أشهر أو أسابيع معدودات..

ما يؤكد أن مرحلة ما بعد “إسرائيل”، حقيقة ثابتة، ليس فقط قرار محكمة الجنائية الدولية، بوقف الحرب على غزة ورفح فورا، ولا تلك المساعي الحثيثة والجادة لإصدار مذكرات اعتقال دولية في حق نتنياهو وأعضاء حكومته بتهم الإبادة، ولكن في تحرك سياسي على مستوى دولي، نتجت عنه اعترافات رسمية بالدولة الفلسطينية، فمن إسبانيا إلى أيرلندا إلى النرويج وصولا إلى دول أوروبية أخرى على رأسها “بلجيكا”، فإن الضربة القاضية التي صدمت بالإضافة إلى “إسرائيل”، أمريكا ذاتها، أن تتغير اللعبة برمتها من صراع بين “إسرائيل” وحركة المقاومة الإسلامية، إلى صراع وجودي عنوانه، دولة فلسطين قادمة ولا مناص من الاعتراف بالهزيمة الكاملة، وهو لسان الحال الذي عبّر عنه مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي “جوزيب بوريل” حين قال بصريح العبارة: “على الاتحاد الأوروبي الاختيار بين دعم المؤسسات الدولية ودعم “إسرائيل”، وهو الاعتراف الذي دق المسمار في نعش “دويلة” الكيان الصهيوني، بعد أن خرجت تداعيات الحرب الصهيونية من مساحة تسمى غزة إلى ساحة تسمى فلسطين كقضية وجودية وكعنوان أبدي، فرضه طوفان الأقصى وأقرّ به وزير الأمن القومي الإسرائيلي المدعو “إيتمار بن غفير” حين اعترف على مضض وخيبة، قائلا: “بعد ثمانية أشهر من الحرب، لم نحقق شيئا”، لكن ما تجاهله “بن غفير” في اعترافه البائس واليائس، هي عبارة “لقد خسرنا كل شيء”..

ملخص ما تمخضت عنه مغامرة الإبادة الجماعية التي ورط فيها نتنياهو كيانه الصهيوني، أن ما أرادته “إسرائيل”، سياسة رعب وتمدد وثأر، انقلب عليها بشكل “ضيق” العالم، لدرجة أنّ غزة، حرّرت الشعوب كما نزعت الطوق من على عنق الهيئات الأممية، لتجد “إسرائيل” نفسها وجها لوجه أمام الجدار، جدار نهايتها ونهاية “فيتو” أمريكي، مهما عَمَر وكابر به “بايدن” والبيت الأبيض، إلا أنّ مآله من مآل “الخرافة” الإسرائيلية التي لفضت أنفاسها تحت أنقاض غزة، حيث معركة الانتهاء بدأت فصولها، والقادم، لن يكون إلا الأمر الواقع المعنون بفلسطين، تعود من بعيد..

الانهيار الصهيوني، أمر حقيقي، والطاعنين في ملحمة “طوفان الأقصى”، من أنظمة خنوع عربي ومن ممالك وحكام عمالة، انتهوا إلى نفس زاوية الأفول التي حُصرت فيها “إسرائيل”، حيث سقوط تلك الأنظمة جاء هذه المرة من داخل “إسرائيل” ذاتها وعلى لسان وزير طاقتها إيلي كوهين، الذي لم يتردّد في التصريح، بأنّ الكلام عن التطبيع لم يعد أمرا مهما، مؤكدا في ذات السياق، “أنه لا أحد يبرم اتفاقيات سلام مع الضعفاء”، وذلك في إشارة للنظام السعودي وللمهرولين، وهي الرسالة الواضحة، التي تحمل إقرارا صهيونيا على أنّ “إسرائيل”، لم تعد  بحاجة لخدمات من باعوها قضايا أمتهم، وبعبارة أدق لقد تخلت “إسرائيل” عن خدمات عملائها، وسقوطها كان سقوطا لكل “خدمها” من أنظمة خنوع وعمالة..

خاتمة الكلام ومختزله، العالم يعيش مرحلة ما بعد “إسرائيل”، وكما أمريكا خسرت رهانها في حماية الهجين الصهيوني وتمديد عمره لفترة أطول، فإن المرعب في الكابوس الأمريكي، أن تتناثر أنظمتها العميلة التي أسستها على مدار قرن من لعبة المصالح، لتكون النهاية ليست فقط سقوط “إسرائيل”، ولكن أنظمة كانت هي الممالك الحاضنة لـ”إسرائيل” ولمصالح النهب والنهم الأمريكي، وهي الصورة التي تجسدت في موقف عبرت عنه “النيجر” الإفريقية والبسيطة والضعيفة، حين انتفض رئيس وزرائها في وجه الوصاية الأمريكية، مخاطبا مسؤولين أمريكيين، خاطبوه بلغة التهديد بقوله: “تأتون إلينا وتهدّدوننا في بلدنا، هذا غير مقبول”، ليتطور الوضع، إلى إعلان قرار سيادي عنوانه، قطع العلاقات النيجيرية مع أمريكا، ومع القرار درس عميق مفاده: انتهى الصيد يا غبي.. العالم يتغيّر!

أسامة وحيد - الجزائر

أسامة وحيد - الجزائر

اقرأ أيضا