مسارٌ زاخر بالاتفاقيات والمبادرات.. “الدبلوماسية الجزائرية”.. الحاضر الأبرز في حلحلة نزاعات الساحل

لطالما شكّلت الدبلوماسية الجزائرية نقطةً فارقة في حلحلةِ مختلف الأزماتِ السياسية والقضايا الأمنية العالقة، سواءً تلك المتعلقة بمنطقة الساحل أو بدول أخرى، فتاريخ الجزائر الحافل بمحطات وتحوّلات هامة يمنحها فرصا أفضل لفهم مختلف القضايا الدولية والإقليمية بعمق، ناهيك عن خبرتها التي تتمتع بها في مجال حل النزاعات ولعب دور الوساطة في القضايا الدولية، ما رشّحها لتكون واحدةً من أبرز الشركاء المفضلين للعديد من الدول والمنظمات العالمية.

يمثلُ الموقع الاستراتيجي الذي تحتله الجزائر في شمال إفريقيا نقطةً مهمة على الخارطة العالمية، فبفضل هذه الميزة، تلعب الدولة الأكبر مساحة في القارة السمراء دورًا حاسمًا في استقرار منطقة الساحل حيث امتدادها الجغرافي في العمق الإفريقي يجعلها شريكًا استراتيجيًا بالنسبة إلى دول الجوار وحتى الدول البعيدة عنها إذا ما أخذنا عامل المصالح المشتركة بعين الاعتبار.

إن الجزائر وبحكم موقعها الجيوستراتيجي في القارة الإفريقية وباعتبارها ـ على أكثر من مستوى ـ دولة محورية في المنطقة وبمقومات مادية وبشرية، أثبتت ـ منذ الثورة التحريرية ـ مصداقية قراراتها وسياساتها الوطنية، خصوصا في شقّ السياسة الخارجية، ما مكّنها من بناء مواقف دولية ثابتة وصلبة، وهو ما ساعدها على إيجاد مكانة لها على الساحة الدولية والإقليمية، في ظل تزايد محاولات الهيمنة على منطقة الساحل الإفريقي من قبل القوى الأجنبية.

إن اهتمام الجزائر بما يجري في منطقة الساحل راجع لكونها تشكّل مجالا لاستقطاب قوى خارجية وإقليمية، ولما تتميز به من ثروات باطنية وسطحية لذلك كان لزاما على الجزائر العمل من أجل إيجاد حلول في المنطقة تفاديا لأي تهديد ينعكس على أمنها القومي، وقد سعت الجزائر دائما إلى قطع الطريق ضد أيّ تدخّل أجنبي تحت مبرّر ـ مكافحة الإرهاب ـ مؤكّدة رفضها الكامل أن تكون أراضيها مقرّا لقواعد عسكرية أجنبية، كما دعت دول المنطقة إلى تأمين الحدود من مخاطر الإرهاب وتهريب السلاح والهجرة غير الشرعية بعيدا عن الوصاية الأجنبية.

بداية من فترة التسعينيات تعاملت الجزائر مع المتغيرات الجديدة في الساحل الإفريقي، خصوصا ما تعلّق بالتهديدات الناتجة عن حركات التمرد في شمال مالي والنيجر، التي أجبرتها على التحرك الدبلوماسي والعسكري لتفادي خلق بؤر توتر جديدة ومنع أي تدخل أجنبي على حدودها الجنوبية، وهذا في إطار مقاربة أمنية شاملة متعددة الأبعاد.

بالعودة إلى هذه المعطيات، يمكن القول وبثقة تامة ـ لا مجال فيها للشك ـ بأن الدبلوماسية الجزائرية ليست مجرد ممارسة للسياسة الخارجية فحسب، بل تدخل ضمن شراكة متميزة جعلت من الجزائر في موقع الريادة للعمل من أجل حل الأزمات الدولية وصناعة السلام على الساحة الدولية ككل وليس الإقليمية فقط.

وعادت الجزائر مؤخرا إلى لعب دورها الفعّال في حل أزمات المنطقة من خلال مبادرتها التي طرحتها لحل الأزمة التي تعصف بدولة النيجر بعد الانقلاب العسكري في 26 جويلية الماضي، وذلك بعيدا عن أي حلول خارجية لا تخدم استقرار المنطقة.

“تبنّي مقاربة شاملة للتصدّي لنزاعات منطقة الساحل”

عبد الحق بن سعدي

(أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر)

قال المحلّل السياسي عبد الحق بن سعدي، إن المُتعارف عليه، إن الدبلوماسية تهدف إلى تحقيق مصلحة أو الدفاع عن مصلحة أيًا كانت طبيعتها لبلد ما، ومن هذا المنظور تحركت الجزائر في اتجاه البحث عن حلول سلمية للتعامل مع مختلف الأزمات التي تضرب منطقة الساحل وشمال إفريقيا على وجه الخصوص، وذلك من خلال مقاربة متعدّدة المجالات بغرض تهدئة الأوضاع وغلق منافذ التوتّر التي قد تعصف باستقرار المنطقة.

وفي هذا الإطار، أوضح البروفيسور بن سعدي في تصريح لـ«الأيام نيوز»، أن منطقة الساحل دخلت في مرحلة حرجة بالتزامن مع حدوث انهيار أمني في ليبيا منذ سنة 2011 وانقلاب عسكري في مالي في 2012، أعقبه تدخل عدة دول أجنبية في المنطقة على غرار فرنسا، الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا، الأمر الذي أصبح يشكّل تهديدا حقيقيا للجزائر التي أصبحت محاطة بدول غير مستقرة تعيش حروبا داخلية ما يشجع عمل ونشاط الجماعات المسلحة وتهريب المخدرات والاتجار بالبشر وإقامة قواعد عسكرية أجنبية وغيرها من المخاطر التي قد تهدّد استقرار منطقة الساحل ككل وليس الجزائر فحسب.

وأشار المحلل السياسي إلى أن الجزائر وأمام هذا الوضع، عمدت إلى تبني مقاربة شاملة للتعامل مع هذه المعطيات من خلال تفعيل مختلف المستويات العسكرية، السياسية، الاجتماعية والتنموية على اعتبار أن الحل العسكري لا يمكنه أن يكون خيارًا مناسبًا لحلحلة الأزمات التي تعصف بمنطقة الساحل لأن الأمر مرتبط أساسًا بالتخلف وانعدام التنمية والتهميش والإقصاء، وهي العوامل التي تراكمت على مدار سنوات طويلة مُؤديةً إلى تشكّل شعور عام بالقطيعة بين مكونات شعوب المنطقة وأنظمتها ما فتح المجال لاستخدام لغة السلاح في التعامل مع القضايا العالقة.

وأضاف الأستاذ في العلوم السياسية، أنه وأمام هذه المخاطر تحركت الجزائر، ولكن بشكل متأخّر لا يرقى إلى المستوى الحقيقي لدبلوماسية بلادنا ودورها المحوري والريادي والمنتظر في حل الأزمة الليبية، وإن كانت قد حذّرت من مغبة التدخل العسكري الأجنبي في ليبيا وعارضت بشدة استخدام السلاح داخليا أو خارجيا، ومع ذلك تمسكت بالحل السياسي وسعت جاهدةً إلى الترويج له في المحافل الدولية وربطت عدة اتصالات مع مختلف القوى الليبية لدفعها إلى القبول بالحل السياسي التفاوضي وإسكات صوت السلاح.

في سياق ذي صلة، أبرز الخبير في السياسة، دور الدبلوماسية الجزائرية الفاعل والواضح في إيجاد حل للأزمة المالية، من خلال مواكبة تطوّر الوضع منذ بدايته ما سمح للجزائر بأن تؤثر وبشكل لافت في تقريب وجهات النظر بين أطراف الصراع في مالي المهددة بالانقسام وفشل الدولة الوطنية بسبب عجزها عن القيام بالتزاماتها تجاه الشعب المالي ومكوناته منذ الاستقلال عام 1960.

وفي هذا الصدد، أشار المتحدث إلى أن الجزائر نجحت في بلورة اتفاق السلم والمصالحة بين حركات الأزواد المطالبة بالانفصال عن مالي والحكومة المالية وذلك منذ تصاعد النزاع وتوسط الجزائر بين الأطراف المتصارعة، في 1991، قبل أن تنجح في تحقيق تقارب بينها ومصالحة تُوجت باتفاق الجزائر للسلم والمصالحة في 2015، والذي تضمّن مجموعة من الإجراءات التي كانت تهدف أساسًا إلى المحافظة على وحدة دولة مالي وحمايتها من الانقسام، من خلال تنمية المنطقة الشمالية وإدماج المسلحين في الجيش وإطلاق عملية سياسية يشارك فيها الجميع، وقد عُرف هذا الاتفاق بـ”اتفاق الجزائر”، مؤكدا في السياق ذاته على أن الجزائر لازالت تتابع باهتمام الوضع وعملية تحقيق هذا الاتفاق الذي يواجه بعض الصعوبات بسبب عدم استقرار الوضع في مالي.

“الجزائر تستعيد مكانتها في الخارطة الدولية”

رابح لعروسي

(أستاذ العلاقات الدولية بجامعة الجزائر)

أكد أستاذ العلاقات الدولية بجامعة الجزائر، رابح لعروسي، أن الدبلوماسية الجزائرية وبعد أن أعادت توجيه بوصلتها في إطار رؤية محددة وبراغماتية للتّغيير، تمكنت أخيرًا من استعادة دورها البارز في فضّ النزاعات بشهادة العواصم والمؤسسات الدولية الكبرى التي أعادت تحليلها وتقديراتها لواقع ومكانة الجزائر في الخارطة الدولية وفي ذلك إقرارٌ منها بأهمية ودور الدبلوماسية الجزائرية إقليمياً قارياً ودولياً، وسعيها الدؤوب إلى الدعم والوقوف إلى جانب جيرانها ودول القارة السمراء في حـربها الضروس ضد آفة الإرهاب المقيت العابر للأوطان والتطـرف العـنيف.

وفي هذا الشأن، أوضح الأستاذ لعروسي في تصريح لـ«الأيام نيوز»، أن السياسة الخارجية للجزائر تقوم على مقاربة واضحة المعالم أساسها الاحترام والتعاون على ضوء المبادئ الصلبة التي تحكم النشاط الدبلوماسي، وفي مقدمتها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول والدعوة إلى تبني الحلول السياسية بعيدًا عن لغة العنف في حل مختلف الأزمات والنزاعات التي قد تعرفها المنطقة.

وتابع قائلا: “من هذا المنطق نسجّلُ اليوم هذه الإشادة القوية لمختلف الهيئات الأممية والدولية بالدور المحوري والريادي الذي تلعبه بلادنا في حل الخلافات وفض النزاعات وحماية مبادئ السلم والأمن الدوليين، ومنها الموثوقية التي أصبحت تحظى بها الجزائر لدى  مختلف الشركاء على المستويين الإقليمي والدولي على حد سواء”.

وفي هذا الشأن، ذكر الخبير في السياسة ملف المصالحة في مالي المنبثق عن مسار الجزائر، الذي يعدُّ مرجعًا ومكسبًا هامًا للمجتمع الدولي، وشاهدًا حيًا على مساعي الجزائر الحثيثة إلى إيجاد حلول جذرية لمختلف النزاعات والصراعات التي قد تعرفها منطقة الساحل بعيدًا عن منطق السلاح ولغة العنف.

هذا، وفي ختام حديثه لـ«الأيام نيوز»، أكدّ الأستاذ في العلاقات الدولية بجامعة الجزائر، رابح لعروسي، أن “المبادرة التي أطلقتها الجزائراليوم لحل الأزمة في النيجر تأتي انطلاقا من إيمانها الراسخ بأن الحلول غير السياسية لن تجلب للمنطقة سوى الفوضى وانتشار الجريمة ونشاط الجماعات الإرهابية ناهيك عن الهجرة التي تزيد وتعقد الأزمة أكثر وأكثر، وعلى هذا الأساس ترى الجزائر من خلال مقاربتها أن الحل في النيجر ينطلق أساسًا بين الفرقاء النيجيريين دون إقصاء أي طرف في إطار حوار سياسي جاد دون أي تدخّل خارجي كان”.

“الوسيط الموثوق به في حل أكثر النزاعات تعقيدا”

سليمان نبار

(الأستاذ في العلوم السياسية والعلاقات الدولية)

يرى الأستاذ في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، سليمان نبار، أن الدبلوماسية الجزائرية ـ وانطلاقا مما تحظى به من مصداقية تامة على الصعيد الدولي والإقليمي على وجه الخصوص ـ كانت قد لعبت دور الوسيط الموثوق به في حل أكثر النزاعات تعقيدا، على غرار الملف الليبي.

وفي هذا الشأن، وضمن تصريحه لـ «الأيام نيوز»، تحدث الأستاذ نبار عن مساعي الجزائر في هذا الإطار بدايةً بمحاولة خفض التوتر بين الأطراف المتنازعة في ليبيا ووصولاً إلى جمعها في ظل تأكيد جزائري على أن الحل بين الفرقاء لا بد أن يكون من صنع الليبيين أنفسهم بعيدا عن أي أجندات أجنبية تعمل بعض الأطراف الليبية غير الموثوق فيها على تحقيقها بالوكالة.

في السياق ذاته، أبرز الخبير في السياسية، أن الصراع في ليبيا أصبح يشكل تهديدا حقيقيا لدول الجوار وفي مقدمتها الجزائر التي تربطها بليبيا حدود تقارب الـ1000 كلم تتميز أغلبها بطبيعة جغرافية يصعب التحكم فيها، خاصةً في ظل عديد التهديدات اللاتماثلية، الأمر الذي دفع بلادنا إلى تبني العديد من المبادرات الرامية أساسًا إلى حل الأزمة الليبية وذلك منذ بروز هذا النزاع غداة الإطاحة بالعقيد معمر القذافي في أكتوبر عام 2011.

وأضاف الأستاذ نبار: “إن أغلب هذه المبادرات التي طرحتها أو تبنتها الجزائر كانت تتم بالتنسيق مع هيئة الأمم المتحدة بعيدًا عن بعض المبادرات التي يمكن وصفها بالمشبوهة والتي تتبناها في الغالب بعض الفواعل الدولية التي ينقصها الحياد وعدم الوقوف بمسافة واحدة بين أطراف النزاع الليبي”.

في سياق ذي صلة، وفي حديثه عن دور الجزائر في حل الأزمة المالية، أوضح المحلل السياسي أن الدبلوماسية الجزائرية سجلت حضورا قويا ولافتا في حلحلة الملف المالي والعمل على تحقيق أهدافها الأساسية وتجسيدها على أرض الواقع، من خلال التأكيد على ضرورة احترام سيادة واستقلال وأمن وسلامة الأراضي وعدم المساس بحق الشعوب في تقرير مصيرها بعيدا عن التوغل الأجنبي للعديد من الفواعل في الساحل الإفريقي وفي مقدمتها فرنسا، وكذا العمل على تشجيع الحل السلمي من خلال الحوار بين الأطراف المتعددة وفرض مبدأ عدم التدخل الأجنبي في مالي وهو ما دعمته الجزائر من خلال إيجاد حل تفاوضي بين هذه الأطراف إضافة إلى تدعيم القدرات العسكرية وبناء قدرات دفاعية للجيش النظامي المالي خاصة في ظل تعدّد التهديدات اللاتماثلية وتحالفها أحيانا.

وأردف قائلا: “منذ بداية الأزمة المالية عمدت الجزائر إلى التقريب بين حركات التمرد والسلطات المالية من خلال الاجتماعات المتعددة التي تم عقدها في الجزائر بدايةً باتفاقية تمنراست عام 1991، إضافة إلى اتفاقية تمبكتو 1996 وصولاً إلى اتفاق وغادوغو عام 2013، وكل هذه الاتفاقات جاءت كنتيجة حتمية لمساعي الدبلوماسية الجزائرية”.

وأضاف المتحدث: “إن الجزائر كذلك عملت على إيجاد أطر تعاون في إطار تنسيقي إقليمي مشترك وهو ما نتج عنه توقيع اتفاق السلام والمصالحة سنة 2015، بوساطة جزائرية دائما، وبالإضافة إلى البعد الأمني التقليدي كان هناك تأكيد صريح على ضرورة تبني الأبعاد الأمنية المستحدثة والمتعلقة بالجانب التنموي ورسم خارطة طريق تنموية تعمل على تحقيق الأمن في مالي وهذا موازاةً مع مبادرة الميدان التي جاءت بناءً على مقترح جزائري من خلال التعاون الميداني بين كل من الجزائر، مالي، النيجر، موريتانيا خاصة فيما يتعلق بمحاربة الإرهاب الدولي وقد تم في هذا الإطار استحداث مقر للقيادة المشتركة لدول الساحل تحتضنه ولاية تمنراست الجزائرية عام 2010.

وفي ختام حديثه لـ«الأيام نيوز»، جددّ الأستاذ في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، سليمان نبار، أن الجزائر تعمل بوتيرة متسارعة على تحقيق التقارب بين الأطراف المالية المتنازعة خاصةً بعد إعلان خروج القوات الفرنسية سنة 2020، وذلك بعد الانتفاضة الشعبية المالية ضد هذا التواجد من جهة وضد كل من يمثل فرنسا في سدة الحكم في دولة مالي من جهة أخرى.

الدعامة الصلبة في استئصال الإرهاب

الدكتور وحيد بوطريق

(باحث في الشؤون الاستراتيجية)

يؤكد الدكتور وحيد بوطريق الباحث في الشؤون الاستراتيجية، أن المبادرات التي تطرحها أو تتبناها الجزائر في فض النزاعات وحل الصراعات المتراكمة بين دول الساحل والجوار تبقى هي الأساس والدعامة الصلبة التي دائما ما يبنى عليها استقرار المنطقة.

وفي هذا الصدد، أبرز الخبير في السياسة في تصريح لـ«الأيام نيوز» أن جميع الدول تعترف بخبرة وتجربة الجزائر الرائدة في مكافحة واستئصال الإرهاب، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، وكل هذه الدول في تنسيق دائم مع الجزائر بخصوص هذا الملف، لافتا في السياق ذاته إلى أنه لا توجد دولة كبيرة حاربت الإرهاب واستطاعت هزيمته بشكل كلي إلا الجزائر التي رافعت أيضا من أجل مواصلة تجفيف منابع تمويل الإرهاب عبر منع الفدية، واستطاعت النجاح في ذلك، بحيث أصبحت الفدية ممنوعة وفقا للقرارات واللوائح الأممية.

في سياق ذي صلة، أوضح المتحدّث أن هناك جملة من المعطيات والمستجدات التي زادت من تعميق وإطالة عدم الاستقرار في مناطق التوتر في منطقة الساحل، على غرار التدخلات الأجنبية وعدم تغليب المصلحة العليا للبلاد على المصالح الضيقة المتنوعة لبعض الفاعليين السياسيين في بعض بؤر التوتر، مشيرا إلى أن إفريقيا اليوم أصبحت تمتلك مجالا أفسح للمناورة بعدما دخلت الصين وروسيا على الخط في ظل وجود حراك إفريقي للتحرر من الامبريالية الغربية القديمة.

وأردف قائلا: “أمام كل هذه التناقضات يبقى دور الجزائر مركزي ومحوري والمقاربة الجزائرية هي الأساس في تسوية كل النزاعات والحفاظ على استقرار المنطقة، ويرتبط ذلك بعدة أسباب في مقدمتها أن الجزائر تحظى بمصداقية ودعم منقطع النظير من قبل كافة الدول الإقليمية النافذة وكذلك الدول الكبيرة والمتداخلة في دول بؤر التوتر، ضف إلى ذلك أنها تمثل قوة إقليمية استراتيجية كبيرة جغرافيا اقتصاديا وعسكريا وجيوسياسيا في المنطقة وتربطها علاقات جيدة مع كل دول منطقة الساحل ولها قبول وثقة من قبل الجميع بالنظر إلى خبرتها وباعها الطويل في حل مختلف النزاعات والقضايا الأمنية التي تعرفها المنطقة”.

في السياق ذاته، أشار الباحث في الشؤون الاستراتيجية إلى أن من بين المعطيات الأخرى التي تؤهل الجزائر إلى لعب دور محوري في فض مختلف النزاعات، هو انضمامها إلى مجلس الأمن الدولي كعضو غير دائم (2024-2025)، وبالنظر إلى الدعم الدولي التي تحظى به الجزائر ستمكّنها هذه العضوية من لعب دور كبير ومهم في حل النزاعات الدولية بشكل عام.

اتفاق مدينة تمنراست 2010

في خطوة استباقية للحيلولة دون تدخل أجنبي في منطقة الساحل، وقبل أزيد من عشر سنوات، تم استحداث مقر قيادة مشتركة لأربع من دول منطقة الصحراء من بينها الجزائر في إطار تعزيز علاقات التعاون العسكري والأمني بين هذه الدول للتصدي للإرهاب ومكافحته.

وقد شكّل افتتاح مقر قيادة العمليات المشتركة بين الجزائر وموريتانيا ومالي والنيجر في جنوب الجزائر في أفريل 2010، أولى الخطوات العملية في إطار محاربة الإرهاب ومواجهة الخطر المتزايد لتنظيم القاعدة في منطقة الساحل والصحراء الإفريقية، وقد احتضنت مدينة تمنراست الواقعة في أقصى جنوب الجزائر هذا المقر الذي عمل على تعزيز علاقات التعاون العسكري والأمني.

وقد جاء حينها تشكيل القيادة المشتركة الجديدة والتي تحمل اسم ”لجنة الأركان العملياتية المشتركة”، تتويجاً لإحدى توصيات اجتماع قادة جيوش دول الساحل في الجزائر في 13 مارس 2010، وهي الخطوة التي أشادت بها الولايات المتحدة ـ في حينها ـ ووصفتها بأنها خطوة نحو مواجهة جماعية لـ”التنظيمات الإرهابية” التي تحاول تكثيف نشاطاتها في تلك المنطقة، وتقول واشنطن إن عدم وجود تنسيق أمني بين دول الصحراء الكبرى يهدد بتحول المنطقة إلى ملاذ لهذه الجماعات المتشددة.

وتضمنت خطة العمل المشترك سلسلة من الترتيبات الفنية العسكرية، والتعاون في مجال العتاد العسكري، وتسيير دوريات عسكرية في مناطق الحدود المشتركة لمراقبة تحركات المجموعات الإرهابية ومراقبة الحركة على الحدود الشاسعة بين هذه الدول.

مبادرات الجزائر لحل الأزمة في مالي

لم تتوقف مبادرات ومساعي الجزائر الرامية إلى تقريب وجهات النظر بين الفرقاء في مالي منذ الوهلة الأولى لاندلاع الصراع، حيث تمت المبادرة الأولى في عام 1991، حين اتفقت أطراف النزاع بموجب “اتفاقية تمنراست” (جنوب الجزائر) – المؤلفة من 13 مادة في جانفي من عام 1991 والموقعة من الحكومة المالية و”الحركة الشعبية لتحرير أزواد” و”الجبهة العربية الإسلامية لتحرير أزواد” ممثلتين للأزواديين ـ على إعطاء “وضع خاص” لولايات الشمال يقضي بالاعتراف بالظروف الصعبة في مناطق الأزواديين وتأمين الدعم المالي لتنمية إقليمهم ووضع آليات للتحقق من تنفيذ ذلك، مع التشديد على تخليهم عن السلاح، ليتم استكمالها بآلية أخرى في 1996.

وفي أفريل 2014 بدأت الجزائر – بدعم من الأمم المتحدة – سلسلة محادثات سلام بين الحركات السياسية والعسكرية الأزوادية والحكومة المالية، تـُوجت باتفاق سلام “اتفاق الجزائر” وُقع بالتزامن في مدينتيْ الجزائر العاصمة وباماكو (عاصمة مالي) يوم 15 ماي 2015، وتم التوقيع على هذا الاتفاق من طرف كل من حكومة مالي المركزية والحركة العربية للأزواد، التنسيقية من أجل شعب الأزواد، تنسيقية الحركات والجبهات القومية للمقاومة، الحركة الوطنية لتحرير الأزواد، المجلس الأعلى لتوحيد الأزواد، والحركة العربية للأزواد (منشقة)، وحضر مراسم التوقيع حينها ممثل عن الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا.

ومن أهم البنود التي نص عليها هذا الاتفاق، احترام الوحدة الوطنية وحقوق الإنسان، ووقف العنف والاقتتال العرقي والمظاهر المسلحة، وتمثيل لجميع مكونات الشعب في المؤسسات بعد أن خلت من الأزواديين، وإعادة تنظيم القوات المسلحة والأمن بعد أن كانت مقتصرة على الماليين من غير الأزواديين، والتزام الأطراف بمكافحة الإرهاب، وتسهيل عودة وإدماج اللاجئين الذين يقارب عددهم مليوناً في بلدان الجوار، ودمج ثلاثة آلاف مقاتل أزوادي في الجيش.

وبتاريخ 12 أفريل 2023 أشاد أعضاء مجلس الأمن الأممي خلال اجتماع عقد بنيويورك، بدور الجزائر التي تقود الوساطة الدولية نظير التزامها المستمر إلى جانب الماليين على طريق عودة الاستقرار إلى مالي، سيما عبر مختلف المشاورات التي جرت بكل من الجزائر وباماكو.

كما نوه أعضاء مجلس الأمن بالجهود الدؤوبة للوساطة الدولية الرامية إلى الحفاظ على ثبات التزام الأطراف الموقعة على اتفاق السلم والمصالحة في مالي المنبثق عن مسار الجزائر، في إطار لجنة متابعة اتفاق الجزائر، برئاسة الجزائر، وتقريب وجهات النظر بغية التجسيد الكلي للاتفاق.

وفي هذا الشأن، دعا أعضاء مجلس الأمن الأطراف المالية إلى ضرورة التطبيق “السريع والكامل” لاتفاق الجزائر، الذي يظل حجر الزاوية لسلام واستقرار دائم في مالي والذي أضحى تجسيده اليوم ضروريا أكثر من أي وقت مضى سيما في الظرف الانتقالي.

من جانبه، أشاد الأمين العام الأممي، أنطونيو غوتيريش، في تقريره إلى مجلس الأمن الدولي بمناسبة هذا الاجتماع، بالالتزام الشخصي لرئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، الذي “استقبل تباعا وفدا ماليا بمستوى وزاري وكذا ممثلين عن الحركات الموقعة على اتفاق السلام”، أما الممثل الدائم لمالي المشارك في أشغال هذا الاجتماع، فقد قدّم بدوره “شكر السلطات المالية للوساطة الدولية، سيما الجمهورية الشقيقة الجزائر”، مجددا التأكيد على استعداد بلاده للعمل مع الوساطة الدولية من أجل إرساء السلم والاستقرار في مالي”.

إن نظرة الجزائر لحل الأزمة في مالي، ظهر من خلال نشر الحل الشامل القائم على التنسيق والتعاون الإقليمي والدولي الذي سيجنّب الجزائر والمنطقة اختلالات بتواجد كيان دولة فاشلة، التي تزيد من أبعاد التهديدات الأمنية الصلبة والناعمة، كانتشار تجارة السلاح والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية، وهي التهديدات التي تتعامل معها الجزائر بحذر ودقة، لما لها من أثار ستكون تداعياتها واضحة على صعيد الوحدة الترابية للجزائر نتيجة الروابط التاريخية بين المكوّن الأمازيغي الطارقي في مالي وفي دول شمال إفريقيا.

مساع حثيثة لانتشال ليبيا من أزمتها

كثفت الجزائر مساعيها الدبلوماسية المستمرة منذ سنوات بهدف الوصول إلى حل سياسي للأزمة الليبية، باعتبارها الجارة الشرقية التي تتقاسم معها حدودا برية تقارب ألف كيلومتر، وذلك عبر اتصالاتها وتنسيقها مع دول المنطقة بهدف توحيد موقفها في أية تسوية للأزمة الليبية، خصوصا ما تعلّق بترجيح كفة الحل السياسي عن باقي الحلول الراديكالية.

وتسعى الجزائر التي تتقاسم حدودا برية محفوفة بالمخاطر مع ليبيا، إلى توحيد موقفها مع العديد من الأطراف الدولية بشكل يفرض بقوة موقف دول الجوار الليبي في أي حل مستقبلي لا يخرج عن دائرة الحوار، مع تفادي خيارات الحل العسكري الذي يهدّد الأمن والاستقرار في المنطقة برمتها، وهي المخاوف التي عبّرت عنها الجزائر في مناسبات عدة.

كما تؤكد السلطات الجزائرية باستمرار أنها تقف على مسافة واحدة من طرفي النزاع في ليبيا وترفض “كل تدخل أجنبي”، وتؤكد مرارا على أن حل الأزمة لن يتأتى إلا عبر مسار ليبي-ليبي يتولى فيه الأشقاء الليبيون الدور البارز في إطار حوار شامل يضمن إعادة بناء المؤسسات وتوحيدها وتحقيق المصالحة الوطنية، فحسب محللين، فإن الدور الجزائري في الملف الليبي يقوم على دعم مسار تنظيم الانتخابات في هذا البلد، ومحاربة الإرهاب بمنطقة الساحل الإفريقي.

وفي تصريح صحفي سابق لوسائل الإعلام الوطنية، أبرز الرئيس تبون، أنه لن يحدث تطبيق أي حلّ سياسي في ليبيا دون استشارة ومشاركة جزائرية، وأن أي محاولة لإقصاء الجزائر من إنفاذ الحلول في ليبيا سيكون مآلها الفشل.

وكانت قد شهدت الفترة الأخيرة اتصالات دبلوماسية مكثفة بين الجزائر وبعض دول المنطقة، إذ تطرقت المباحثات التي تمت في أوقات سابقة بين مسؤولين جزائريين ونظرائهم في بعض الدول، إلى مواصلة التشاور والتنسيق حول سبل الدفع بالعملية السياسية للوصول إلى حل جديد يحفظ سلامة وأمن الشعب الليبي.

أزمة النيجر.. عودة إلى المسار الدستوري خلال 6 أشهر

تستند المبادرة التي أطلقتها الجزائر مؤخرا لحل أزمة النيجر إلى ستة محاور رئيسية تهدف إلى حشد التوافق حول عودة الشرعية الدستورية في النيجر وتجنّب أي تدخل عسكري خارجي، وتأتي في إطار رؤية شاملة للتنمية في منطقة الساحل، وهي مفتوحة للتشاور مع كافة الفاعلين المهتمين بالحل السلمي.

وفي هذا الإطار، أشار وزير الخارجية أحمد عطاف إلى أن “رئيس الجمهورية سيعرض هذه المبادرة على المجتمع الدولي في القمة المقبلة للاتحاد الإفريقي”، مؤكدا أن “الجزائر تعتبر نفسها حافظا لمبدأ عدم شرعية التغييرات غير الدستورية”.

وأوضح عطاف ـ في ندوة صحفية نظمها بالمركز الدولي للمؤتمرات أواخر أوت الماضي ـ أن “المبادرة تشمل فترة انتقالية لا تزيد عن ستة أشهر، تشرف عليها شخصية وطنية تحظى بقبول جميع الأطراف في النيجر، وتقدّم ضمانات لكل المشاركين في الترتيبات السياسية”.

وقال وزير الخارجية إن الجزائر ستقوم بمشاورات حثيثة مع كل الأطراف التي تدعم الحل السلمي حيث ستكون في ثلاثة اتجاهات، “داخليا” مع كل الأطراف و”جهويا” مع دول الجوار، وكذا “دوليا” مع البلدان التي تضمن المساعي السلمية، كما ستنظم مؤتمرا دوليا حول التنمية في الساحل لتحفيز التمويلات اللازمة لإطلاق مشاريع تنموية في المنطقة.

وكانت الجولة الدبلوماسية التي قادت وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج، أحمد عطاف، إلى الدول الثلاث التي تنتمي إلى المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “ايكواس” والمتمثلة في كل من نيجيريا والبنين وغانا، قد لعبت دورا بارزا في مساعي وقف الأزمة وتحقيق السلام في النيجر.

وجاء تحرك الخارجية الجزائرية عقب مشاورات قادها عطاف سواء من خلال زيارته إلى واشنطن في 8 و9 أوت الماضي، أو عبر التنسيق الدبلوماسي مع قوى دولية تتقاطع مع الجزائر في وجهة النظر الدبلوماسية كحل أساسي للأزمة في النيجر، كالولايات المتحدة وإيطاليا.

وفي سياق حشد الدعم السياسي للمبادرة الجزائرية، أكد وزير الخارجية، أحمد عطاف، أن الجزائر سجّلت ردود فعل دولية إيجابية بشأن مبادرة الجزائر لحل أزمة النيجر.

واعتبر عطاف في حوار مع قناة ” TRT عربي” التركية، أن تفعيل مبادرة الجزائر لحل الأزمة التي تشهدها النيجر منذ أسابيع بعد الانقلاب على الرئيس محمد بازوم، يقتضي إشراك السلطات الانقلابية بنيامي.

وفي السياق ذاته، أشار المتحدث إلى أن الانقلابيين أبلغوا الجانب الجزائري بأنهم في حاجة إلى مدة زمنية تصل إلى 3 سنوات من أجل ترتيب الأمور الداخلية، موضحا: “الانقلابيون في النيجر يعتزمون تنظيم مشاورات محلية ووطنية من أجل رسم تصور يضمن الخروج من الأزمة بحلول سلمية، ليكون الرد رسميا على مبادرة الجزائر في ظرف شهر واحد مباشرة بعد إتمام المشاورات”.

وأشار رئيس الدبلوماسية الجزائرية إلى أن الانقلابات المتتالية لم تحل مشاكل الأمن والاستقرار في إفريقيا، معتبرا أن القوانين المنبثقة عن القمة الإفريقية المنعقدة بالجزائر سنة 1999 لم تعد كافية لردع ظاهرة الانقلابات، ولأجل ذلك سترفع الجزائر مقترحات خلال القمة القادمة متمثلة في أُطر قانونية من شأنها ردع تمدد الانقلابات في القارة، مشيرا إلى أن هذه المقترحات ستتضمن عقوبات سياسية أكبر على الأطراف الانقلابية.

هذا، وكان حسن أنتينيكار، المستشار السياسي الخاص للرئيس المطاح به محمد بازوم، قد أكّد في تصريح سابق لموقع “العربي الجديد” أن “المبادرة الجزائرية لإحلال السلام في النيجر جيدة، وهي موضع ترحيب بالنسبة لي وللعديد من النيجيريين المقربين من رئيس الجمهورية، وهي بالفعل يمكن أن تمثل مقدمة لحل الأزمة”.

عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول الجوار

ظلّت الجزائر تدافع باستماتة عن مبدأ نبذ استعمال القوة والاحتكام في كل الحالات إلى التعاون وحل النزاعات بالطرق السلمية، سواء في إطار التفاوض المباشر، أو في إطار المنظمات الإقليمية، أو عند الاقتضاء اللجوء إلى القضاء أو التحكيم أو المنظمات العالمية، لذلك ساهمت الدبلوماسية الجزائرية في حل واحتواء الكثير من النزاعات الدولية، في الإطار الإفريقي وتحييد حضور القوى الخارجية ومنع اللجوء إلى القوة، وتجنب إلحاق الأضرار بمصالح أطراف النزاع.

نصّ ميثاق الأمم المتحدة في المادة الثانية الفقرة السابعة على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهو الشأن ذاته بالنسبة إلى ميثاق كل من جامعة الدول العربية ومنظمة الوحدة الإفريقية، وانطلاقا من أن الدول المجاورة يمكن أن تؤثر وتتأثر بما يجري حولها في ظل وجود أنظمة سياسية واجتماعية غير متجانسة، فإن التقيّد بهذا المبدأ يفرض الاحترام المتبادل للأنظمة السياسية في الأقاليم المتجاورة، وعدم التدخل فيما يجري فيها، وفي حالة العكس فإنه يؤدي إلى دوامة من النزاعات التي لا تنتهي ولا يُحمدُ عُقباها.

ولعبت الجزائر دوراً هاماً في منظومة مكافحة الإرهاب الذي يهدّد الاستقرار واستتباب الأمن في منطقة الساحل، ومنذ مبادرة عموم الساحل في العام 2002، التي توسّعت لتتحوّل إلى الشراكة عبر الصحراء لمكافحة الإرهاب في العام 2005، إلى قيادة أفريقيا 2007 (“أفريكوم” AFRICOM) ومقرّها في شتوتغارت في ألمانيا، ركّزت الولايات المتحدة على إقناع الجزائر بإتاحة فرص الاستفادة من خبرتها في مجال مكافحة الإرهاب والجريمة المنظّمة.

سهام سعدية سوماتي - الجزائر

سهام سعدية سوماتي - الجزائر

اقرأ أيضا