مع الأديب الجزائري “عبد الرحمن بن العقون”.. رحلة الإنسان عبر العصور في الفضول والغرور (الجزء الأول)

“عبد الرحمن بن العقون” مناضل وشاعر جزائري أصيل، ولد في “وادي الزناتي” سنة 1908، ودرس مرحلة التعليم الابتدائي في مسقط رأسه. انخرط في العمل الحزبي مبكّرًا، وتم اعتقاله وسجنه إبَّان ثورة التحرير الوطني.. وعُرف شاعرًا أكثر ما عُرف أديبًا مفكِّرًا واسع الاطّلاع والمعرفة بالفلسفة والفكر الإسلامي والغربي..

“ولقد تردَّد على المعتقلات والسّجون منذ أحداث 8 ماي 1945 إلى غاية اندلاع الثورة المجيدة. وبعد الإفراج عنه سنة 1956، سعت الشرطة الفرنسية إلى القبض عليه وقتله، فتمكَّن من الإفلات إلى خارج الوطن، والوصول إلى المشرق العربي وتحديدًا إلى دمشق، فانضم إلى المناضل عبد الحميد مهري حينما كان يرأس بعثة جبهة التحرير الوطني بسورية، ثم عيّن الشاعر منذ 1958 إلى سنة 1964، فكان خير ممثل للجزائر العربية، ثم رجع إلى الوطن ليتفرّغ للتعليم واستمرّ بهذا العمل إلى سن التقاعد سنة 1973” (من بحث بعنوان: المضمون الثوري في شعر عبد الرحمان العقون، للباحثة جباري عائشة من جامعة الوادي).

خلّف “العقون” مؤلَّفات منها: وراء القضبان، ديوان شعر بعنوان “أطوار”، تاريخ الكفاح القومي والسياسي من خلال مذكرات معاصر.. ومؤلفات أخرى مطبوعة، بالإضافة إلى كثير من الكتابات في الصّحف الجزائرية، اخترنا منها هذه المقالة التي يبرز فيها “عبد الرحمان العقون” مفكّرًا إسلاميًّا متعمِّقًا في الفلسفة ونقد الفكر الغربي. وقد نُشرت هذه المقالة في مجلة “الأصالة” الجزائريَّة في شهر جوان 1979، وتعيد جريدة “الأيام نيوز” نشرها تكريمًا لهذا الشاعر المفكّر الذي لم يحظ بالدّراسة التي تليق بمسيرته وميراثه الفكري والشعري..

الإنسان.. الحائر في هذا الوجود

منذ خرج الإنسان إلى هذا الوجود وهو حائر في أمر هذه العقيدة النابعة من كيانه، من تخيّلاته، من حركاته وسكناته، فهو حيثما اتّجه يرى معقولاً ويرى غير معقول، والذي هو غير معقول أوفر، ويفكِّر فيدرك ولا يدرك، والذي لا يدركه أكثر، ويرجع منخذلاً إلى نفسه، إلى ذاته فلا يجد فيها إلاّ ما رأى في غيرها، ولكنها تزيده بتطلعاتها إزعاجًا، وبطموحها إلى ما وراء العقل ارتباكًا. فلا يلبث أن يصطنع خیالاً، ولا يقوى أن يبقى بعيدًا عن الفضول، فالعقيدة الفطريّة في تحرُّكه تدفعه إلى أن يبحث عن حلٍّ لهذه الربوبيّة التي تملأ عليه جوانبه، وتستثير فيه في كل لحظة اهتمامه.

العقل البدائي.. والعقل غير البدائي

وهنا يجيء دور العقل البدائي والعقل غير البدائي، فالعقل البدائي قد وجد من قديم الزمان أنَّ هذا الوجود بما فيه من سماوات وأرضين، وأنواء وأجواء، وخلائق تحير أمام عظمتها العقول، هذا الوجود العظيم لا بدّ له من قوة تتصرّف فيه وتوجّهه، ولا بدّ له من ربّ قدير يحافظ على النِّظام فيه. فلم يجد وسيلة يعبِّر بها عن هذه القوة إلاّ أن يمثّلها أصنامًا وتماثيل وصورًا حسب مخيِّلته البسيطة، ثم اتَّخذها أربابًا، فهو يتوجَّه إليها كلّما أحسّ بعجزه أمام كوارث الطبيعة وحوادثها، ويقدِّم لها القرابين، ويوجّه إليها الدّعوات حتى تصرِف عنه المكروه وتعطيه الرّغبات.. أمّا العقل غير البدائي، الذي أخذ شيئا من التجارب وركَن إلى شيء من العلوم النظرية، فقد اقتنع بالرجوع إلى مدارك العقل الإنساني يسترشدُها، وظن أنّ كل شيء يدركه العقل.

نفسٌ ظلمانيّة وأخرى نورانيّة

وينفصل عن العقل غير البدائي نفسٌ ظلمانيّة وأخرى نورانيّة، فتلك أدركت الربّ أيضًا في أشياء رأتها عظيمة منيعة مناعة ما تعتقده في الربّ من أنّه لا تسيّره الحوادث بل هو الذي يسيّرها، فتمثَّلته في الشمس والقمر والنار وغيرها من كل شيء يظهر عظيمًا، وبقيت على عقيدتها تورِّثها لأجيالها حتى بعد أن نزل توجيه السماء. أمَّا النفس النورانيّة والتي أهّلها الله لأن تضطلع بالمسؤولية الحقيقية، فقد أنزل عليها سرّه، وأعطاها قوة لتحمل ذلك السرّ الخطير، وأخبر بذلك جلّ وعلا “إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا” (الأحزاب: 72).

واختار المولى لذلك خيرة عباده استعدادًا، وأرجحهم عقلاً، وأذكاهم فكرًا، وأحسنهم خلقًا، أولئك هم الرُّسل الكرام الذين أدّوا الأمانة حقّ الأداء..

الإنسان هو الإنسان.. طبعه الغرور والفضول

ولكن الإنسان هو الإنسان، في تطلُّعه وطموحه في غروره وفضوله، فلم يقف عند الحدّ الذي منحه مولاه، ولم يستسلم استسلام المقتنع القانع بما تفضَّل عليه ربّه، ممَّا يتناسب وفكره القاصر وينسجم وعلمه الضَّحل، فراح يردُّ ويجادل ويحسب ويعادل حتى شعَّب الحياة بتشعُّب العقائد، وقسَّم نفسه إلى مؤمن وكافر، ومهتدٍ وفاجر، وامتدّ الفضول في الانسان حتى إلى مظاهر بعض الأنبياء والمرسلين، فكان ذلك تشريعًا للبحث الهادف والجدال الرَّائد بقصد الوصول إلى الإيمان الصحيح والابتعاد عن التقليد والجمود.

وجاء القرآن يعطينا مثالاً حيًّا مفهومًا مَدروكًا في شخص إبراهيم (عليه السلام) “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي” (البقرة: 260).

ويمضي القرآن ليبيِّن للناس هذه القصة العجيبة التي هي شرعًا لا تقع لغير المعصوم، في بيان مُدهش وواقع مُعجز. فالطيور تُذبح وتقطّع قطعًا صغيرة، ثم تُوزّع تلك القطع في مختلف جهات الأرض وفوق الجبال، ثم يدعوها إبراهيم (عليه السلام) فتجيء إليه ساعية جارية وكأنَّها لم تُذبح، وكأنَّها لم تُقطّع ولم تُرم على الجبال أشلاؤها. “قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” (البقرة: 260).

وهكذا ينقلنا القرآن إلى مشهد آخر أكثر غرابة وأحسن دلالة على مدى ضعف الانسان وقصور علمه أمام عظمة المولى ولو كان من الرُّسل المصطفين.. “وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا” (الأعراف: 143).

موسى نبيّ بني إسرائيل ورسول رب العالمين تأخذ به بشريّته فيطلب من مولاه شيئا لا تقوى عليه بشريّته، ولو أنَّها مصطفاة، ولا يتحمَّله استعداده ولو أنّه مؤهّل لتحمّل الرسالة السماويّة، تلك هي رؤية الله الماديّة بالعين المُبصرة.. ولكن مولاه العظيم يعطيه درسًا ماديًّا ملموسًا ليبقى معجزة خالدة يهتدي على ضوئها كل عالِم يبحث عن الحقيقة دون عناد، ویسترشد بنورها كل مؤمن إلى مكان الحقيقة الكبرى، فهو يبيّن له بكل وضوح أنَّ الاستحالة ليست في رؤية الله تبارك وتعالى فهي مسألة معقولة فكل موجود يصح أن يُرى، ولكن هذا الموجود ليس كبقيّة الموجودات، إنَّه خالقها ومدبّرها، ومُحييها ومُميتها، فهو أعظم من أن يُرى بالعين المجرَّدة لنفوس بشرية لم يخلق فيها استعدادًا بعد لتلقِّي هذه الصّدمة العظمى، وأوضح مثالٍ على ذلك هو الجبل، الجبل الصَّلد الجامد المتكوِّن لا من بشرة ولحم ودم، ولكنه من حجارة وصخور وتراب. هذا الجبل لم يتماسك ولم يقدر على الثبات أمام تجلِّي المولى عزَّ شأنه، فاندكَّ للجلال، وذاب للعظمة، وانهدّت صخوره الضخمة في طرفة عين، فلمَّا أفاق موسى (عليه السلام) من صعقته.. “فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ” (الأعراف: 143).

وجاءت الفلسفة…!

ويمضي العقل البشري بعد ذلك ـ وقتًا طويلاً ـ لا يهتدي إلى الحقيقة التي ينشدها، ولكنه يلج في البحث غير ملتفتٍ إلى التَّوجيهات السماويّة التي كانت لا تفتر عن النزول ولا تبخل على البشر ببيان الحقيقة الكبرى وهي وجود الله.

على أنَّ عدم الاقتناع بالتَّوجيه السماوي، واللُّجوء إلى كثرة البحث واللّجج في التطلّع إلى ما وراء العقل، قد أخذ صورًا وأشكالاً عديدة أخذت بالإنسان إلى تصوّرات مختلفة وعقائد تختلف أكثر، فتعدَّدت لدى الأمم “الأرباب” وتنوَّعت أشكالها..

وجاءت الفلسفة والعلم فجاء شيء جديد للأفكار والعقول، وظهرت مفاهيم لا قِبل للناس بفهمها حتى أولئك الذين أتوا بها.. فقد أتوا بالفلسفة ليزيلوا الغموض الديني (الميتافيزيقي) كما يعبِّرون عنه، فلم يزيدوا على أن زادوا غموضًا على غموض، ولم يأتوا إلاّ بنقض ما جاءت به الأديان أو بالتشكيك في بعضها. بل إنَّ أحد عباقرة الفلسفة وهو “سقراط”، قال في حيرة: “لا أعرف سوى شيء واحد وهو أنَّني لا أعرف شيئا”.

ماذا قيل في الفلسفة؟

ولكي نفهم الموضوع على حقيقته يجب أن نرجع قليلاً إلى ما قيل في الفلسفة. والفلسفة علم لم يظهر بضوابطه وقواعده إلاّ عند اليونانيين. يقول “وول ديورانت”: “واندفَعوا – يعني اليونانيين – إلى أبعد الحدود بعد الحرب الفارسيّة، واستقدموا جميع أنواع المعرفة إلى بلادهم، وبلغت بهم الشجاعة أنَّهم حاولوا إيجاد تفسير للحوادث التي كانت تُنسب في الأزمنة الماضية إلى (قوى ما فوق الطبيعة الخارقة والمعجزات)، وأفسح السِّحر والخرافات والطّقوس الدينيّة طريقًا للعلم، وبدأت الفلسفة. لقد كانت هذه الفلسفة في البداية فلسفةً طبيعية مادية، وكانت النهاية الطبيعيَّة لهذا النوع من الأفكار هي مادية (ديمقراطيس) حتى صرخ: إنَّه لا يوجد أيّ شيء في الحقيقة سوى الذرّات والفراغ”.

وهذا نوع من الفلسفة التي لا تؤمن بالله، وحتى أولئك الذين كان لهم نوع من الإيمان فقد أخذ بهم الفضول البشري إلى أن يعقِّدوا الحياة ويجعلوها طقوسًا لا قِبل للإنسان بتحمُّلها. ومن هؤلاء بل من أولهم (أفلاطون)، يقول: إنَّ الفلسفة تثقيفٌ فعّال وحكمةٌ ممزوجة بأعمال الحياة ولا تعني خيالاً ميتافيزيقيا مغلّفًا أو محبوسًا غير عملي، لا بأس به إلاّ أنّه يمضي في فلسفته إلى حدٍّ بعيد في تعقيد الحياة خاصة في فكرته (الجمهورية) والتي قال عنها ديورانت: تأثّرت بها أوروبا طوال ألف سنة، حيث كانت الكنيسة هي الحاكم المطلق”.

محمد ياسين رحمة - الجزائر

محمد ياسين رحمة - الجزائر

اقرأ أيضا