مع مفكّر الأجيال “مالك بن نبي”.. الإنسان الإفريقاسيَوِي في “عصر الصّهيونيّة”؟ (الجزء الرابع والأخير)

“روح اللاَّعنف” هو المبدأ الأخلاقي الذي تتميَّز به البلدان الإفريقاسيوية عن البلدان الأوروبيَّة التي تعتمد على القوَّة في اقتصادها، مهما كانت مظاهرُ هذه القوَّة: سياسيَّة، عسكريَّة، افتعال أزمات وحروب.. غير أنَّ المبدأ الأخلاقي الإفريقاسيوي لا يدعمه “الإيمان” بالعِلم وإعلاء شأن العقل، بل هو يحيا في بيئة لم تُحرِّر إنسانَها من الشَّعوذة وطقوس السِّحر واستجداء المُعجزات من “الأشباح”..

تغيَّر العالم جذريًّا، منذ كَتَب “مالك بن نبي” رؤيتَه الاقتصادية هذه سنة 1957، غير أنَّ أهمَّ شيءٍ لم يتغيَّر هو تقدُّم أوروبا والغرب عُمومًا في التطوُّر العلمي والتكنولوجي والاقتصادي ورفاهيَّة الإنسان، بينما بقِيَت البلدان الإفريقاسيوية في دائرة التَّبعيَّة الاقتصادية، بل إنَّها فقدَت كثيرًا من قِيَمها “الثَّوريَّة” لتواجه به الغربَ الذي لم يتخلَّ عن روحه الاستعماريَّة..

عندما نقرأ للمُفكِّر “مالك بن نبي” بعد أكثر من نصفٍ قرنٍ عن رحيله، نُدرك كم كان هذا الرَّجلُ عظيمًا وسابقًا لعصره، ونستشعر الاغترابَ الفكري والرُّوحي الذي كان يحيا فيه منفِيًّا في كتاباته وأفكاره التي لم تجد حتى اليومَ طريقها إلى أن تُستثمر عمليًّا في حقول الحياة.. نعم، لقد تغيَّرَت المعلوماتُ والمُعطيات على أرض الوقائع العالمِيَّة، ولكن جوهر الأفكار “النَّابويَّة” ما زالت قابلةً للاستثمار والبناء عليها للخروج بنظريَّاتٍ نهضويَّةٍ مُستخلَصةٍ من البيئة المحليَّة لكل بلدٍ من البلدان الإفريقاسيوية.. ولتحقيق التحام “حلقة الوحدة البشرية على محور (طنجة – جاكرتا)” وفق رؤية “بن نبي”.

نُواصل مع مقال “مالك بن نبي”، الذي قام بترجمته عن الفرنسية الكاتبُ الليبي “الطيب الشريف”، ونشرته مجلة “الآداب” البيروتيَّة في الأول فيفري 1957، وذلك في سِياق إعادة قراءة فِكر “مالك بن نبي” انطلاقًا من المقالات التي توجَّهَ بها إلى عموم القرَّاء وليس إلى النُّخبة منهم فقط.. ونؤكِّد على أنَّه يجب قراءة المقال في سياق التَّاريخ الذي كُتِب فيه، وأيضًا الانتباه إلى مصطلحات “مالك بن نبي” التي تستدعي جمعَها في قاموسٍ “نابويٍّ” خاصٍّ..

مشكلة المواد الأوّليّة

ومهما يكن الأمر، فإنَّ الطابع القسري لمشاكل الاقتصاد الإفريقاسيوي هذه، لا يكفُّ عن النماء مع ضغط “تزايد السُّكان” من ناحية، وضرورات توظيف المال من ناحية أخرى، لأنَّ الانتقال إلى الطوُّر الصناعي – الذي يجب أن يُنجَز متأنِّيًا مع تطبيق الاشتراكية على وسائل الإنتاج كما يوضِّح ذلك التوجيه الراهن في الهند – لا يمكن أن يتمَّ من غير إتاحة خانة لزيادة الإنتاج الزراعي عن الاستهلاك.

ولكنَّنا نصطدم هنا بعَقبة المشكلة الثانية في الاقتصاد الإفريقاسيوي ألا وهي مشكلة المواد الأوَّلِيَّة، وكما الحال في المشكلة الأولى أي “المشكلة الزراعية”، فإنَّ المعطيات الاقتصادية البحتة تتطابق هنا مع المعطيات ذات الصِّبغة النفسِيَّة التي لا نرى داعيًا للرجوع إليها. ويبقى علينا أن نواجه زيادة الإنتاج الزراعي – التي تُهيمن إلى حدٍّ بعيد على كل برامج التجهيز الصناعي – من زاوية اقتصادية صِرفة، وهي تضعُ في هذه الزاوية مشكلةَ تسويق المواد الأولية.

مشكلة “الوعي الاقتصادي” وتوجيه الثقافة

والبلاد الإفريقاسيوية مُرغَمةٌ في الشروط التي توجد فيها حاليًا على تصدير المواد الخام التي لا تستطيع أن تحولها إلى مواد جاهزة، مستغنِيَة بذلك عن الخارج.. ومنذ هذه اللحظة تتبدَّى مرحلةٌ مراحل تنافسها مع محور (واشنطن – موسكو)، حيث تُوجد صناعات التَّحويل. إنَّه التنافس الاقتصادي الذي تمثِّل عواقبه – بطبيعة الحال – في كفَّتَي الميزان التجاري لهذه البلاد. ونذكر في هذا الصدد بالخصوص العجز المالي الذي عانته هذه البلاد بعد تحريرها مباشرةً، العجزُ المتمثِّل في ستة عشر بالمائة من دخلها الإجمالي، كما أشرنا إلى ذلك فيما سلّف. وهنا نتلاقى – بطبيعة الحال – مع مشكلة “الوعي الاقتصادي”، والكفاءة الصياغية، أعني مشكلة توجيه الثقافة، وتشكيل الأطُر القيادية.

ولكن بصرف النَّظر عن هذه المُعطيات الداخلية التي يجب أن تضاف إليها عواقب تقلبات الثورة التحريرية الأكثر أو أقل ثورية، فإنَّ العجزَ يتوقَّفُ أيضًا وإلى حدٍّ معين على شروط السوق الدولية. وفي مثل هذا الحد تُوضَع أمامنا مشكلةُ تسويق المواد الأولية، وهي توضَع دفعةً واحدة في حدود البورصات مع كل ما يمكن أن يتدخَّل في مثل هذه الحدود من اصطناعي، وميكيافيلي، ومزيف! وإنه لمن المؤكَّد أنَّ أسعار البورصة تبدأ انطلاقها من العلاقة (مادة – أولية – نقد) المُحدَّدة بسعر السُّوق.

من يُحدّد أسعار الموادّ الأوّليّة؟

غير أنَّ سِعر السوق ليس مُحدَّدًا في الحقيقة بالعناصر الاقتصادية التي يُهيمن عليها قانونُ العرض والطَّلب فحسب، إذ تحدِّده كذلك العناصرُ “الفوق – اقتصادية” التي تُترجَم عن الاعتبارات المالية، والسياسية، والإستراتيجية، أعني الإرادة الخاصة لطرفٍ مُعيَّنٍ، هو: صاحب المال.. وفي نهاية هذا الحد، وذلك بالنسبة إلى البترول مثلاً، نجد أن هذه العناصر الأخيرة هي التي تحدِّد وحدها سعر السُّوق من غير اعتبار لكلمة البلاد المنتجة للمواد الأولية. بينما توجد المسألةُ عملِيًّا قريبًا من هذا الحدِّ على الدوام بالنسبة إلى السوق الدولية، حيث تُحدَّد العلاقة (مادة أولية – نقد) من جانب واحد. إنَّ “التروست” هو الذي يحدِّد سعر السوق بأثمان تناسبه! وهكذا ترضخ سوق المواد الأولية، بدون تأثير متبادل من الطَّرف الآخر، إلى السوق المالية، وإلى إرادة رأس المال.

وليس أكثر طبيعِيَّة من أن نرى الفلسفةَ، التي تقود من زمن ليس بالبعيد، الاستغلالَ الاستعماري، تعبِّر عن نفسها، في حدود هذه الإرادة المُرقَّمة بالدولارات والجنيهات الإسترلينية، والتي تتوق اليوم بحكم مُقتضيات النظام المالي والإستراتيجي إلى المحافظة، في البلاد المنتجة للمواد الأولية، على منطقة هبوطٍ تتلاءمُ مع “سير المُعاملات” والتيارات السياسية في البلاد ذات الثروة الاقتصادية المرتفعة.

إنَّ تسعيرةَ القُطن المصري، أو المطَّاط والتَّوابل الإندونيسية، والأرز البيرماني، مُحدَّدة أوَّلاً وبالذات بعلاقاتها مع حتميات هذه التيارات. وفي مثل شروط السوق العالمية هذه، توضَع مشكلة تسويق المواد الأولية. وإنَّ الضَّرر في الاقتصاد المُنبنِي على القاعدة النقدية الراهنة، يتأتَّى من كون العلاقة (مادة أوَّليَّة – نقد) مُحدَّدة من طرف النقد الذي يتحكم في هذه العلاقة.

ما أبعد الإنسان الأوروبي عن الإفريقاسيوي!

وعلى سبيل المثال، فليس هناك أيُّ مُبرِّرٍ قبلي لتقوم الحلفاء الجزائرية (كمادة أولية) أقلَّ بثلاثين أو أربعين مرةً من سعر المنتوج المُتمثِّل في “السليلوز” والورق المصنوعَين في إنجلترا. إنَّ هناك داعيًا واحدًا يقوم على العلاقة (حلفاء – جنيه إسترليني) المَعدودة كلِّيةً في صالح الصناعي والعامل الإنكليزيين. ومُجمل القول أنَّ (الساعة – العمل) للعامل الإنكليزي، تتكلَّف غاليًا بالنسبة إلى العامل الجزائري، فالأول مُحابى بالنقد على الثاني الذي يمثِّل المادة الأولية! وهذه الشُّذوذات قد استرعَت انتباه بعض راصِدي اقتصاديات شمال إفريقيا المُعيَّنين، الذين لاحظوا أنَّ ثمَن الطُّن المُصدَّر من المادة الأولية، هو في “مراكش” على سبيل المثال (في سنة 1937) مساوٍ لستمائة فرنك، بينما طُنُّ الوارد (من الإنتاج المصنوع) يتكلَّفُ بألفين وثلاثمائة فزنك. وبهذه الأرقام المُعتبرة كمتوسِّطٍ إجمالي، تبدو الملاحظةُ ذات دلالةٍ هامَّةٍ ولكنها لا تُترجَم بدقة عن الحقيقة الاقتصادية في مستوى العامل المراكشي، ولكن في مستوى رجل الأعمال الأوروبي الذي يستصدر المادة الأولية المراكشية. ففي مستوى العامل المراكشي (كما هي الحال في مستوى قالِع الحلفاء الجزائري) يجب أن يُخفَّض ثمنُ الطن الصادر إلى الرُّبع وحتى إلى الثلث ليصيب كَبِد الحقيقة..

ومهما يكن الأمر، فإنَّ تخليص “المادة الأولية” من ارتهانها لبراثن النقد يجب أن يتمثَّل في تحريرها من العلاقة التي تجعلها مُذعِنةً إلى شروط السوق الراهنة. ويبدو أنَّ بعض البلاد الإفريقاسيوية المعينة، قد أسَّست صفقاتها بالفعل على علاقة لا تحدَّد فيها قيمة المادة الأولية من جانب واحد.. والواقع أنَّ هذه الصفقات قد عُقِدت على قاعدة “المقايضة” (مادة أولية – مادة أولية)، أو (مادة أولية – تجهيز).

فقد استبدلت “سيلان” – على هذه القاعدة – مطَّاطَها. مقابل الأرز الصيني، واستبدلت مصر قطنَها مقابل التَّجهيز. وبطريقةٍ عامَّة، فإنَّ مُبادلات البلاد الإفريقاسيوية مع الشرق قد أسِّست على قاعدة من طبيعة أخرى، يمكن أن يُعبَّر عنها في مُجمَلها بالعلاقة التالية: (مادة أولية – عمل).

تفوّق النَّقد على المادة الأوليّة

وإنَّه لَمِن المُمكن أن تتِمَّ المبادلاتُ مع الغرب على هذه القاعدة نفسها. ومع ذلك، فإنَّنا نصطدم في هذا الجانب بـ “كتلة نقد” كانت قد كشفَت في مسألة “البترول الإيراني” عن إرادتها في المحافظة على تفوُّق النَّقد على المادة الأولِيَّة، ولكن البلاد الأفريقاسيوية تستطيع أن تستوحي من نفس هذه السياسة الاقتصادية، فتواجهها بسياسة مماثلة، بتكوينها في وجهه “كتلة النقد”، “كتلة المادة الأولِيَّة “.

وبتعبير آخر، إذا كان مبدأ الاقتصاد الفدرالي ذا قيمة في القطاعات الزراعية والصناعية للاقتصاد الإفريقاسيوي، فهو لا يفقد قيمته أيضًا في قطاع تسويق المادة الأولية ليواجه بفعالية، إستراتيجية “التروستات” المالية، وبطريقة عامة: إرادة القوة.. إنَّها الوسيلة الوحيدة لتلافي بعض الشذوذات “الأعراضِيَّة ” في سوق المادة الأولية. فعندما عانى مطَّاطُ بلاد جنوب شرقي آسيا – الذي يكوِّن عنصرًا حافزًا في اكتمال اقتصاد هذه البلاد – انكماشًا جدِّيًا في ذات اللحظة التي دلَّت فيها الإحصائيات على نموٍّ مستمر في منحنى الاستهلاك، لا يسعنا أن نعتبر هذا الأمر غير حالة “أعراضِيَّة”.

روحُ اللاّعنف.. المبدأ الأخلاقي للإفريقاسيوية

وما من ريبٍ في أن هذه الظاهرة تعبِّر عن تأثير العوامل “الفوق – اقتصادية” التي تضلِّل القانونَ الطبيعي للعرض والطَّلب. والواضح أنَّ هذه العوامل ناتجة عن حصر مشكلة المُبادلات بين بلاد “الكتلة النقدية” والبلاد المنتجة للمادة الأولية في الإطار السياسي، لأنَّ البلاد الأولى تريد أن تطبَع هذه المبادلات بطابع النُّزوعات المُوائمة لخطِّها السياسي الخاص.. ولا يمكن أن يُزال تأثير هذه العوامل إلاَّ بتنظيمٍ صائبٍ لسوق المادة الأولية، وتسويقها بواسطة البلاد الإفريقاسيوية حسب مبدأ الاقتصاد الفدرالي. ولكننا نلاحظ أنَّ هذا المبدأ مُتفِقٌ بالفعل – في كل قطاعات الاقتصاد الإفريقاسيوي حيث سبَق أن بيَّنا مواءمته فيها – مع المبدأ الأخلاقي الأساسي “للإفريقاسيوية”، أعني مع روح اللاَّعنف! لأنَّه لا يمكننا أن نتصوَّر تخطيط اقتصادٍ فدرالي في منطقة لا يكون فيها خطرُ الحرب مُستبعَدًا من أساسه. إذ لا يمكننا أن نصنع “حصيلةً” مشتركة مع رفيقٍ لا نستطيع أن نواصل معه إلاَّ جزءًا من الطريق!

وفضلاً على ذلك، فإنَّ هذا الاعتبار يبرِّر بوضوح مدى عدم الانسجام الذي ينتاب بعض الحكومات المُعيَّنة المُنبثَّة على المساحة الإفريقاسيوية، عندما تستسلمُ للشَّعوذةِ واضعةً المشاكلَ في حدود القوة، في الدائرة التي يجب أن توضع فيها المشاكل في حدود الكينونة، وذلك بحكم الضَّرورات الداخلية لهذه البلاد، وبحكم اتجاهها في الوضع العالمي الحاضر الموسوم بطابع مقتضيات السلام..

التحام حلقة الوحدة البشرية الإفريقاسيوية

وباعتبار هذه المُقتضيات، يصير الاقتصاد عنصرًا أساسيًا من عناصر “مهمة الإفريقاسيوية”. إنَّه يصير في هذا المستوى الوسيلةَ التي تتيح الحياةَ للشعوب الإفريقاسيوية، وفي الوقت ذاته، الوسيلةَ التي تمكِّنها من التكفُّل بالرسالة السَّلامِيَّة التي يجب أن ترتكن إليها لمواجهة “الكتلتين”.. إنَّ الاقتصاد الإفريقاسيوي يستطيع، باستمالته “الكتلتين” إلى التنافس على ما عسى أن تؤول إليه المنافسة، إلى وضعٍ قابلٍ للانفجار! ما ولقد بيَّن مشروعُ بناء “سدِّ أسوان” أنَّ هذه المنافسة يمكنها أن تكون خصبة، عندما يُعرَف كيف يُستبعَد منها ما يمكنه أن يعطيها طابعًا حادًّا وعاطفيًّا!

وإنَّ بعض رجالات الاقتصاد النَّابهين، الذين يلاحظون عواقب مثل هذا التنافس الاقتصادي على علاقات “الكتلتين”، يستَبِينون خلاله مسبقاً (مثل السيد “الفريد سوفي” بفرنسا) إمكان نقطة التقاءٍ بين الكتلتين.. في الجنوب التَّاعس! وعندئذٍ تلتحم حلقةُ الوحدة البشرية على محور (طنجة – جاكرتا) في الحقل الاقتصادي، وذلك إذا ما حرصت الشعوب الإفريقاسيوية على تكوين “وعيها الاقتصادي” مع إدراكها في الوقت نفسه لقيمته التاريخية في العالم المعاصر، كعنصرٍ من عناصر التقدم والسلام.

محمد ياسين رحمة - الجزائر

محمد ياسين رحمة - الجزائر

اقرأ أيضا