مع مُفكِّر الأجيال “مالك بن نبي”.. الإنسانُ الإفريقاسيَوِي في “عصر الصُّهيونِيَّة”؟ (الجزء الثالث)

شيَّدَت الدولُ الأوروبيَّة مَدنِيَّتها على استعمار الشعوب الإفريقاسيوية ونهب ثرواتها وخيراتها و”تدمير” إنسانها معنويًّا وفكريًّا وماديًّا.. واستمرار هذه المدنِيَّة مرهونٌ باستمرار النُّفوذ الأوروبي في بلدان تلك الشُّعوب. ورغم ما وصلَت إليه الدول الأوروبية من قوَّة في مختلف المجالات، فقد انتظمَت في اتِّحاد يضمنُ لها التَّكامل في مواجهة أيَّ أزمات عالميَّة. بينما البلدان الإفريقاسيوية، رغم هشاشتها، لا سيما في مجال تأمين الغذاء لإنسانها، فقد توجَّهَت إلى بناء اقتصاديَّاتها بشكل منفردٍ، حيث لا تكامل بين اقتصادِ دولةٍ ودولةٍ أخرى، ولم تستطع أن تُشكِّل “اقتصاد القَنادِس” نسبةً إلى حيوان القُندس الذي “يتَّخذه كُتَّاب أوروبا رمزًا للتَّكافل والتَّضامن في الحياة الاجتماعية، لأنَّه يُطبِّق في سلوكه المَعيشي نوعًا من الاشتراكية الحيوانية!”.

وتمييزُ “مالك بن نبي” للإنسان الإفريقاسيوي على محور (طنجة – جاكرتا)، ليس مبنِيًّا على مُعطيات تاريخيَّة وجغرافيَّة وخصائص نفسيَّة فحسب، بل هو تمييزٌ يقوم على إمكانيَّة قيام أشكال من الاتحاد أو التَّكامل بيد دول هذا المحور، لا سيما في المجال الاقتصادي.. اتِّحادٌ وتكامل لا يُمكن لأيَّ دولةٍ من الدول الإفريقاسيوية أن تُحقِّقه مع دولٍ أوروبيَّة، لأنَّ أوروبا لم تتخلَّص من نَزعاتها الاستعماريَّة بعد، ومن نظرتها الدُّونيَّة للإنسان الإفريقاسيوي، لا سيما الإنسانَ العربي الذي يبقى في نظرها مُجرَّد “هَمجٍ” غير قابلٍ للتَّحضُّر كما رأينا ذلك في مقال سابق للكاتب الصُّحفي الفرنسي “بول بالطا” في مقال نشرته جريدة “الأيام نيوز” تحت عنوان: “لماذا لا تُريد أوروبا فَهمَ العرب؟”

إنَّ رؤى وأفكار “مالك بن نبي” لتحرير الإنسان الإفريقاسيوي من نفسه ومن عجزه، ومن الهيمنة الغربية عليه، سواءٌ كانت هيمنةً مُعلنةً أو غير مُعلنةٍ.. هي رؤى وأفكار قابلة للاستثمار والتَّوظيف في “عصر الصُّهيونيَّة”، وبكل تأكيد هي ليست مُسلَّماتٍ لم تفقد “بعضًا” من مواءمتها لهذا العصر وروحه وما استجدَّ فيه من متغيّرات وتكنولوجيات ووسائل لم “يتخيَّلها” مُفكِّرنا العظيم.. ونُواصل مع مقال “مالك بن نبي” الذي قام بترجمته عن الفرنسية الكاتب الليبي “الطيب الشريف”، ونشرته مجلةُ “الآداب” البيروتيَّة في الأول فيفري 1957، وذلك في سِياق إعادة قراءة فِكر “مالك بن نبي” انطلاقًا من المقالات التي توجَّهَ بها إلى عموم القرَّاء وليس إلى النُّخبة منهم فقط..

نفسِيَّةُ القوَّة وحُدود الكَينونة

لقد حاولنا أن نميِّز من ناحية “مفاهيمِيَّة” الوضعَين على محور (واشنطن – موسكو) من جهة، وعلى محور (طنجة – جاكرتا) من جهة أخرى، في تعريفنا الوضعَ الأولَ بنفسِيَّة “القوة”، وفي تعبيرنا عن الوضع الثاني في حدود “الكَينونة”. ونحن نستطيع الآن أن نميِّزها بطبيعة مناهجهما الاقتصادية. فالواضح أنَّنا من الوجهة الاقتصادية إزاءَ محور الصِّناعة من ناحية، ومحور الموارد الأولِيَّة من ناحية أخرى.. وكلُّ برنامجٍ للتَّصنيع في البلاد الإفريقاسيوية يعني وضعَ مشكلة الإنتاج الزراعي من جهة، ومشكلة “تسويق” المواد الأولية من جهة ثانية.

مشكلة الجوع في العالم

ولقد لوحِظ في بعض التَّحقيقات الصُّحفية الحديثة التي أجرِيَت تحت رعاية هيئة الأمم المتحدة، أنَّ مشكلة الجوع في العالم، ناتجة بالأخصِّ عن قُصورات الإنتاج الزراعي في البلاد الاستوائية، وما تحت الاستوائية، وهذا يعني على وجه الدِّقة: البلاد الإفريقاسيوية… كما لوحِظ أنَّ هذه القصورات ذات تأثير مدوٍّ على المشاكل القاعدية في هذه البلاد نفسها، وعلى انطلاق اقتصادياتها وخصوصًا فيما يتعلق بتكامل الإنسان الإفريقاسيوي مع النشاط الاقتصادي كمستهلِك وكمنتِج… وما من ريبٍ في أنَّ اطِّراد تكامله يُحتِّم أن نمنحه، قبل كل شيءٍ، قطعةَ الخبز، قبل أن نسلِّمه المِجرفَة والمَحفر!… ومن هنا يتَّضح أنَّ الاهتمامَ الملحوظَ في بعض البوادر الحكومِيَّة الحديثة النَّازعة إلى تخفيف حِدَّة قصورات الإنتاج الزراعي، ناجمةٌ عن عَتاقة الطَّرائق من ناحية، وعن طبيعة الملكية العقارية من ناحية أخرى، فالمشكلتان مترابطتان إلى مدى بعيد. فالعتاقة في إفريقيا الشمالية مثلاً، تفسِّر إلى حدٍّ بعيدٍ بإنشاء الضَّيعات (المَزارع) الاستعمارية الكبيرة التي لا تترك للفلاح “الأهلي” أيَّةَ إمكانية مادِّيَة لتحوير طرائقه. أمَّا في مصر، حيث توجد مع ذلك أشدُّ الرَّوابط العريقة بين الإنسان والتُّربة، فإنَّنا نرى أنَّ الفلاح لا يملك – حتى ثورة يوليو سنة 1952 – مزيدًا من الإمكانيات المادية لتحوير طرائقه هو الآخر، ومن ثم تُستخرَج دلالة الإصلاح الزراعي المُمارس من طرف مُوَجِّهي مصر الجُدد.. ولقد تمثَّل مفعوله المباشر في تغيير الفلاح الذي انتقل من مُجرَّد السُّوقة المُرتبط بالتراب بصلةِ استرقاقه الوحيدة، إلى طور العامل المرتبط بأرضه “بوعي اقتصادي”، بوصفه مُنتِجًا ومُستهلِكًا. ولقد تناول هذا التَّكامل المقياسَ الأول لانتعاش اقتصاد البلاد، والخطوة الأولى الضرورية في طريق التَّصنيع. أمَّا أهميته في النِّظام النَّفساني والأخلاقي فتزداد توَطُّدًا من جراء تلك النتائج نفسها في النظام الاقتصادي البحت.

إنَّ انتزاع الخمسمائة ألف فدَّان (في مقابل تعويضات) من المُلاَّك الكبار، ومصادرة المائة والخمسة والسبعين ألف فدان التي كانت في حيازة الأسرة المالكة السَّابقة، يكوِّنان – مع ما صاحبهما من إجراء إصلاح زراعي حول الأحلاس إلى فلاحين حقيقيين – عملية رسملة أعِدَّت بقوة الأشياء لتحويل الرَّسمال العقاري إلى توَسُّعات صناعية من شأنها أن تغير البنائيات الاقتصادية للبلاد، وتحدو مُهمَّتها الصناعية. (يجب التَّذكير بأنَّ مقال “ابن نبي” نُشِر مُترجَمًا عام 1957).

اقتصادُ القَنادِس..

إنَّ البلاد الإفريقاسيوية – مع بعض الفوارق المُتقاربة – توجَد في نفس هذا الطَّور من تطوُّرها الاقتصادي، التطوُّر الذي اجتازته نِهائيًّا البلادُ الغربية بانخراطها في العهد الصناعي منذ قرن تقريبًا. غير أنَّ شروط هذا التطوُّر قد تغيَّرَت منذ قرن من الزمان تحت تأثير بعض العوامل النفسِيَّة والصِّياغِيَّة المعينة. إذ تحقَّق اقتصادُ القرن التاسع عشر في الغرب على الصعيد القومي. ولقد تخطَّى هذا الصعيدُ في الشروط الراهنة أو هو مدعُوٌّ إلى ذلك على الأقل. فالاقتصاد يتطوَّرُ أكثر فأكثر نحو الشَّكل “الأممي” لأنَّ “الكُتل التجارية” و”الوحدات المُجمَّعة” ليست في حقيقتها إلاَّ السِّمات الجوهرِيَّة لهذا التطوُّر نحو “اقتصاد القنادس”.. الذي يجمع بين حاجات بلدان عِدَّة ووسائلها. (القنادس جَمعُ قندس وهو حيوان يتَّخذه كُتَّاب أوروبا رمزًا للتَّكافل والتضامن في الحياة الاجتماعية، لأنَّه يطبِّق في سلوكه المَعيشي نوعًا من الاشتراكية الحيوانية!؛ ويُذكَر أنَّ الفيلسوف الوجودي “جان بول سارتر” أهدى كتابه “الغثيان” إلى “القندس”).

تجربة “اتِّحاد” القمح الرُّوسي والقُطن الصِّيني

وتأتي الصِّين لتمُدَّنا مع اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية بمَثلٍ رائع في هذا المجال، وذلك في تناولهما معًا لدراسة مشروع مشترك ينحصر في تأسيس “مملكة فلاحية” مشتركة مَبنِيَّة على القمح الروسي، والقطن الصيني، في كلٍّ من المدرية الروسية في “كازخستان”، والمدرية الصينية في “سن كيانج”. وهذه “المملكة” مُعدَّة لأن تكون قاعدة لـ “وحدة مجمعة” صناعية، من شأنها أن تشكِّل وحدةً اقتصادية هامة في العالم الشيوعي، والبلاد الإفريقاسيوية لها مصلحةٌ مؤكَّدة عند شروعها في اقتصادياتها كي تحسب حسابًا لهذا التطوُّر، إمَّا لخلق اقتصاديات تكميلِيَّة كالوحدة المجمعة (الصينية – الروسية) التي تعرَّضنا لها الآن، وإمَّا لتمويل مشروع للصالح العام. كما يمكن أن يَكونَه مشروع خزَّان “أسوان” مثلاً، لو لم يكن مُعتَبرًا من وجهة نظر الاقتصاد المصري فحسب. والواقع أن هذا المشروع يهمُّ المملكة العربية السعودية من وجهة النَّظر الزراعِيَّة، لأنَّ هذه البلاد لا تستطيع أن تشيد في إيالتها الصحراوية الخاصة وسائلَ الإنتاج الزراعي التي هي في حاجة إليها.. واتِّفاقا ثلاثِيًّا يُعقَد بين كلٍّ من العربية السعودية، ومصر، والسودان، يمكنه أن يتيح – خارجًا عن مشروع الرّي المصري – الخصبَ لصالح البلدان الثلاثة ابتداءً من مُنخفض “القطارة” المُمتَد غربًا من الإسكندرية نحو الأراضي الطرابلسية.

التَّعاضد الاقتصادي الإقليمي

ومهما يكن الأمر، فإنَّ مثل هذا التصوُّر لإنشاء اقتصاد اتحادي “فدرالي” قد صار يكتمل في العالم أكثر فأكثر، وهو الذي استوحى منه مُؤسِّسو مشروع “کولمبو” برنامجهم سلفًا. وبالرغم من أنَّ هذا المشروع قد اعتبِر كملحقٍ اقتصادي لـ “مَذهب التَّطويق” أو (تعويق الزَّحف الشيوعي)، مُستهدِفًا التَّحسينات الزراعية ليس غير، فإنَّه – ولو في مظهره المُتميِّز هذا – ليس بالمِثال القليل الأهمِيَّة في التَّعاضد الاقتصادي الإقليمي، حيث توسَّع في تمويله المُكوَّن من خمسة مليارات من الدولارات بستين في المائة من طرف الدول الأعضاء وعدَّتها خمس عشرة دولةً، وبأربعين في المائة من طرف البنك الدولي للإنشاء والتَّعمير. وهكذا تمُدُّنا دعوى الاقتصاد الاتحادي “الفدرالي” بالأمثلة العملِيَّة في ترتيبَين اثنين: الترتيب الخاص بالعالم الشيوعي كما هو الحال في “الوحدة المجمعة” (السوفياتية – الصينية) التي تعرَّضنا من قبل لها. والتَّرتيب المتعلق بالعالم غير الشيوعي، كما بيَّنا ذلك في مشروع “كولمبو”.

عواملُ اكتمال البلاد المتخلِّفة

يُضاف إلى ذلك أنَّ هذه الدَّعوى التي سلَف أن وجدَت في المثالين السابقين تبريرَها العملي، يمكن أن تجدَ أسسَها النَّظرِيَّة من هنا فصاعدًا في بعض الدِّراسات المعينة التي خُصِّصَت في هذه المُدَد الأخيرة لاقتصاديات البلاد المتخلِّفة اقتصاديًّا. ونخصُّ بالذِّكر الدِّراسةَ المَتناولة بفرنسا في هذا الاتجاه تحت إشراف “معهد علم الاقتصاد التطبيقي”، لأنَّها تكون في هذا المجال نوعًا من الإنجاز النهائي الذي دُرِسَت فيه منهجيًّا عواملُ اكتمال البلاد المتخلِّفة. ولقد ألحُّوا فيها بوجهٍ خاصٍّ على تِبيان ما “للتَّمسك بالإطار القومي الصِّرف” من مدى في تأخير هذا الاكتمال، ضمن شتى الظَّواهر الأخرى العاملة على تعطيله.

تَخطِّي القومِيَّة الاقتصادية.. والقومِيَّة السياسيَّة

إنَّ النَّزعة القومِيَّة الاقتصادية قد تمَّ تخطِّيها، كما تمَّ خطِّي النَّزعة القومية السياسية من جرَّاء المعطيات العالمية الراهنة.. وإنَّ الاقتصاد ليتطوُّر نحو الاشتراكية في الداخل، والتَّدويل في الخارج، مع أنَّ المشكلتين تحتفظان في نهاية الأمر باستقلالية تامة بالنسبة إلى السياسة.. ومهما تكن الحلول التي يُعتقَد وجوبُ وضعِها للمشكلتين، فإنَّ هذه الحلول، لا تُحتِّم بالضرورة أيَّ موقفٍ “قطعي”، كما ذكَر بذلك “نهرو” أمام “مجلس التعمير القومي” بالهند، في البيان الذي حدَّد فيه مَذهبه فيما يتعلَّق بالتَّوجيه الاقتصادي في الهند نحو الاشتراكية، في الوقت الذي رسَم فيه ميزانية مشروع الخمس سنوات الأولى في الهند، وما من ريبٍ في أنَّه أراد – بعد أوبَتِه من سفره إلى بكين – انتهاز الفرصة لتحديد تصوُّره حيث يقول: “يجب أن لا يُفهَم من التَّطبيق الاشتراكي المعنى (القطعي)، لأنَّ هذا المعنى يتمثَّل  في أن تكون وسائل الإنتاج ملكًا جماعِيًّا، وذلك بأن تُساس من أجل رفاهِيَّة سائر المجتمع”. وإنَّه لا يمكن أن يُميَّز بأفضل هذه من الدقة بين: الاقتصادي، والسياسي، مع المحافظة على حرية الاختيار..

أفكارُ روسيٍّ في التُّربة الإسلاميَّة

إنَّ البراهين “المفاهيمية” لا تستطيع شيئًا من أجل الصِّياغة الاجتماعية أو الصناعية ولا ضدها، لأنَّ الصياغة تتجلَّى بقيمتها الذاتية “الجوهرية” وبفعاليتها في الشروط المُعَيَّنة.. ففي فكرة “نهرو” مثلاً، لا تستند اشتراكيةُ وسائلِ الإنتاج على مبدإ “قطعي”، بل على الضَّرورة المُحدَّدة بالشُّروط الخاصة بالوسط الهندي، وعلى إمكانياته الحالية. ويمكن للاقتصاد الهندي، والاقتصاد الإفريقاسيوي في هذه الشروط أن يستوحيَا بطريقة عامةٍ في مجال التطبيق من المنهاج “الكولخوزي” بسبب فعاليته.. كما أنَّه لا يمكن إهمال أفكار العلاَّمة الروسي “تيرانس مالتسيف” في المجال النَّظري عن استغلال الأراضي القاحلة أو الشبيهة بالقاحلة، وهي مساحات هامة في الرقعة الإفريقاسيوية، ومع طبيعة تربة شمال أفريقيا بصورة خاصة.

والواقع أنَّ قُصورات الإنتاج الزراعي ليست ناتجةً في هذه المنطقة عن عَتاقة الطَّرائق أو التنظيم الزراعي فحسب، ولكن من جرَّاء الشروط “الطبيعِيَّة” أحيانًا.

ولعلَّ العِلم لم يُحِط بعدُ بكلِّ هذه الشُّروط لكي يحدو صلاحِيَّة أنواع التُّربة لما يناسبها من أنواع الزراعة، ولكن البلاد القاحلة – معظم البلاد الإسلامية تشملها هذه الحالة – لها مصلحة كُبرى في تتبُّع اكتمال أفكار العلاَّمة “تيرانس مالتسيف” على أية حال!

محمد ياسين رحمة - الجزائر

محمد ياسين رحمة - الجزائر

اقرأ أيضا