مع مُفكِّر الأجيال “مالك بن نبي”.. الإنسان الإفريقاسيَوِي في “عصر الصّهيونيّة”؟ (الجزء الثاني)

لكل شعبٍ خُصوصياته النفسيَّة والاجتماعيَّة والثقافية التي يجب دراستها واعتمادها في البناء الاقتصادي، ولا يُمكن تطبيق نظريَّات اقتصادية مُستوردَةٍ و”جاهزة” في بلدٍ ما دون تكييفها مع تلك الخصوصيات. كما أنَّه لا يُمكن الاعتماد على خبراء الاقتصاد، مهما كانت درجة أستاذيَّهم، إذا لم يدعمهم علماء في علوم الاجتماع والنَّفس والتَّاريخ.. وينطلقون جميعًا من بيئة الإنسان وأرضه، ليبدعوا مشروع البناء النهضوي.

ذلك أنَّ البناء النَّهضوي هو كلٌّ متكاملٌ يتشابك فيه مَجموع: السياسي والاقتصادي والمُجتمعي والثقافي، ولا يقوم هذا البناء على أرضيَّة صلبةٍ وهو يمتلك ضمانات نجاحه، دون تفاعلٍ بين عناصر ذلك المجموع.

إنَّ الإنسان الإفريقاسيَوِي ما زال تحت تأثير الميراث الاستعماري نفسيًّا واجتماعيًّا، ويصعبُ عليه استدراك تخلُّفه والدُّخول في طور التَّصنيع التكنولوجي، وهو لم يتمكَّن بعد من طور الزِّراعة التي تؤمِّن له الغذاءَ واحتياجات بنائه الجسدي واستقراره النَّفساني. وتزداد عليه الصُّعوبة، وهو في “عصر الصُّهيونِيَّة” التي لن تتركه يُبدع اقتصادَه دون أن يكون تحت طائلة تأثير الاقتصاد العالمي أو أقوى ذراعٍ في أخطبوط “الاستعمار” بشكله الجديد، والمُتحكِّم في الغذاء والدَّواء وحتى بُذور الحبوب والخضراوات وباقي شؤون الفلاحة..

من المُجدي الإشارة إلى أنَّ “مالك بن نبي” مُفكِّر عمليٌّ وليس تنظيريًّا فحسب، وهو يمتلك قاموسه الخاص الذي يضمُّ مصطلحاته التي يصعب فهمها أحيانًا لأنَّ معانيها تتشكَّل في سِياق الكتابات المترابطة، وليس في كتابةٍ واحدةٍ مثل هذه الكتابة.. وفيما يلي، نُواصل مع مقال “مالك بن نبي” الذي قام بترجمته عن الفرنسية الكاتب الليبي “الطيب الشريف”، ونشرته مجلة “الآداب” البيروتيَّة في الأول فيفري 1957، وذلك في سِياق إعادة قراءة فِكر “مالك بن نبي” انطلاقًا من المقالات التي توجَّهَ بها إلى عموم القرَّاء وليس إلى النُّخبة منهم فقط..

المعطيات “الفوق – اقتصادية”

إنَّ “الفحص” الذي يهدف إلى إنجازٍ مُكتملٍ لمنهجٍ اقتصادي أو لتصحيح قُصوراته، يجب أن يحسب حسابًا للمعطيات “الفوق – اقتصادية”، وهذا من وجهة مبدئِيَّة، وإن كان يستطيع ذلك في الواقع. وهنا نتلاقى مرة أخرى مع أولوية “البيولوجي الاجتماعي” على “المهندس الاجتماعي”، عندما نحصر المسألةَ في السَّير ابتداءً من القاعدة.. ففي هذا المستوى، وفي بدء القيام بتجربة اجتماعيَّة، لا تنحصر المسألة في حلِّ مُعادلة اقتصادية فحسب، ولكن في تكييفها مع معادلة شخصية معينة، وكل تجربة تحرَّفُ في بدايتها من هذه العلاقة الأساسية، تُهدَّد بأن لا تكون سوى تجربة نظرِيَّة مصيرها الإخفاق.

وإذا أردنا أن نستخلص من هنا نتيجة ذات قيمةٍ في بناء الإفريقاسيوية، وجَب أن نفكر في الشروط الصِّياغِيَّة التي تتيح تكيُّف معادلةٍ إنسانية مُعيَّنة خاصةٍ بالبلاد المُتخلِّفة، مع المعادلة الاقتصادية للقرن العشرين.

النَّزعة الاستعمارية لا تعترف بإنسانيّة الإفريقاسيوي

إنَّ النَّزعة الاستعمارية لم تبحث في تحقيق هذا التكيُّف أثناء استغلالها لإمبراطوريتها الاستعمارية التي استحال فيها “العمل” إلى استرقاق، المقصود منه إثراء المستعمِر بدَل تيسير أسباب العيش للمستعمَر. وهكذا تمتهِن النَّزعةُ الاستعمارية أخلاقيًّا واجتماعيًّا مفهومَ العمل، فهو لم يعد لديها وسيلة للحياة، ولكنه استحال إلى طريقة للتلاؤم مع سلطةٍ مُوزِّعة للرزق، مع عِلم العامل بأنَّ هذا الرزق المُحرَز بهذه الطريقة ليس حقًّا من الحقوق، ولكنه مُجرَّد مِنَّة! وهكذا حطَّمَت النظامَ التقليدي، ولكنها بزجِّها الإنسانَ المستعمَر في العهد الاقتصادي، لم تترك له أيَّةَ وسيلةٍ تتيح له حلَّ مشاكله.

وبهذه الطريقة، امتهنَت النَّزعةُ الاستعمارية إنسانَ “التَّأمُّل…!”، ولكنها بدَل أن تعمل على تكامله مع منهاجها الخاص، وتصنع منه “الإنسان الاقتصادي”، صنعَت منه مجرد آلةٍ في منهاجها الاقتصادي الاستعماري. فالإنسان المستعمَر يكتفي بالانتقال من “الطَّور التأمُّلي” إلى الطَّور النباتي”، ولم يعد له من “حاجة”.. إنَّ كل ما يناله من هذا المنهاج أنَّه لا يجد فيه أية وسيلة مُنتظَمة وعادية لإشباع تلك الحاجة. لقد وطَّدَت النَّزعةُ الاستعمارية في نفسِيَّته الذُّعرَ من السَّغب الذي يتظاهر في كل طبقات المُجتمع المستعمَر، ولقد خلقَت الإنسانَ الجائعَ على الدَّوام، والذي يخاف الجوعَ على الدَّوام!… وهذان الشَّكلان من الذُّعر قد حطَّمَا لدى الكائن المستعمَر كل إمكانٍ للتكيُّف مع البنائيات الاقتصادية للقرن العشرين. ففي أفريقيا الشمالية مثلاً، تخاف الطبقةُ البورجوازية من الجوع، إلاَّ أنَّ ذعرَها يتظاهرُ في شكلٍ من أشكال “الإسراف في التَّبذير” الذي يُمكن أن نستشهدَ عليه بحالة هذه الأُسرة من مدينة الجزائر التي تستعمل لاستهلاكها الخاص مائة كيلو من الزبدة في الشهر الواحد!… (لوحِظَت هذه الحالة سنة 1931).

أمَّا في الطَّبقة الكادحة، فيظهر الذُّعر من الجوع في شكل من أشكال “الإدقاع والتَّقتير”، وخصوصًا لدى هذه الأُلوف من العُمَّال المغربيين الذين يَؤمُّون فرنسا بُغية العمل، ويموتون من جرِّاء سوء التغذية لا تتَّفق البتة مع وسائلهم الجديدة، ولا مع قسوة الطقس أو ظروف العمل في المصانع…!

الاستعمار وحتمِيّة الرِّق الاقتصادي

وهكذا فالعهد الاستعماري لم يصلح لأن يكون حتى مُجرَّد تدريبٍ اقتصادي في البلاد المستعمَرة أو الشَّبيهة بالمستعمَرة، حيث أنَّه لم يقُم في نهاية الأمر بتحوير البنائيات الشخصية في ارتباطها الوظيفي بالبنائيات الاقتصادية الجديدة. وكل ما في الأمر أنَّه اكتفى بأن يفرض على هذه البلاد حتمِيّة الرِّق الاقتصادي الذي ترَك طابعه الدامغ سواءٌ في نفسِيَّة الطبقات البورجوازية أو في نفسِيَّة الطبقات الكادحة.

وفي هذه الظُّروف يتَّضح أنَّ اللجوء إلى الاستعانة بـ “فحص الاختصاصي” بُغية إنهاضِ وضعٍ اقتصاديٍّ مُنهار، يُهدِّد كثيرًا بأن يكون غير ذي موضوع! أي ألاَّ يكون غير تصرُّفٍ سحري مُؤسَّس على الوثوق الذي نوليه مُسبقًاً لـ “أستاذ” من الأساتذة! يجب أن تُعتبَر المشكلةُ الاقتصادية في طبيعتها البشرية، وإلاَّ نكون قد اكتفينا بنتائج نظرية فحسب!

المعادلة البشرية والوعي الاقتصادي

فهناك مثلاً ظاهرةٌ أدهشَت بعض المراقبين الاقتصاديين، إذ نَقص “الدَّخل” في بعض البلاد التي تحرَّرَت من النّير الاستعماري في السنوات القليلة الفائتة – المقال كُتِب عام 1957 – إلى ما يقرب من الستة عشر في المائة إثر هذا التحرُّر مباشرة. ولا شك أنَّه بالإمكان تفسير هذا النُّقص جزئيًّا بردِّه إلى البنائيات الاقتصادية العالمية، وإلى العوامل السياسية الخاصة بمرحلة انتقالٍ مُضطربة. كما أنَّنا لا نقلِّل البتَّة من أهميَّة تأثير العوامل الإستراتيجية، على السُّوق العالمية، وبالتَّالي على الأسواق الداخلِيَّة في هذا المجال. ولكن المؤكَّد أنَّ في هذا النقص النَّصيب الملازم للعوامل النفسية، ومعطيات المعادلة البشرية الخاصة بالبلاد المَعنية، التي تترجم فيها النَّزعات المحلية، ومفعولها المعوق الذي لم يكن ليتبدَّى بجلاءٍ في القوى المُنتجة ما دامت هذه الأخيرة تجد تحت النظام الاستعماري بعض المحرِّضات الأخرى، ونذكر من بينها على الخصوص مُحرِّض العمل الإجباري الذي عرفته “إندونيسيا” والذي لا يزال يطبق – بالرغم من “قانون العمل الجديد” – في أقاليم مُعيَّنة من إفريقيا الغربية الفرنسية. وإنَّ الأهميَّة الاقتصاديةَ لهذا التَّعويق لتتَّضح أكثر فأكثر إذا ما وضعنا إلى جانبها رقم الإثنين في المائة الذي يُعبِّر عن النَّصيب التقريبي لتوظيف رأس المال في “دخل” هذه البلاد!… وإذًا، فهناك مجال لتناول المشكلة الاقتصادية في هذه البلاد من قاعدتها، أعني من معطياتها النفسِيَّة أوَّلاً بالذات، وفي هذا المستوى يكمُن حلُّ المشكلة، بُغية تكوين “وعي اقتصادي” مع ما يقتضيه من ارتباطات متباينة بالبنائيات الخاصة بالفرد، في عاداته، وفي إيقاع نشاطاته، وفي مواقفه بالنسبة إلى المشاكل ذات الصبغة الاجتماعية.

لقد زُجَّ في هذا النطاق – أكثر من أي نطاق آخر – بالإنسان الافريقاسيوي وهو مُرغمٌ داخلَ عالمٍ عصري تُهيمِن عليه معايير الفعالية.. وربما وجَب تعديل هذه المعايير التي ولِدَت في المجتمع الصِّياغي “الإنسان – الآلة”.. ولكن: “إذا كانت الفعالية ليست هدف البشرية الأسمى – كما لاحظ ذلك أحد الصحفيين السويسريين – فإنَّ من واجبها على أية حالٍ التزام مقياسٍ مُعيَّن يكُفُّ المجتمع تحت مستواه عن أن يكون مُنتِجًا حتى من الناحية الثقافية” (العبارة لـ: هربرت لوثي في كتابه: “فرنسا في عهدها الوسيط “).

المعادلة الشخصية وافتقاد الروح الاقتصادية

فالمسألة تنحصر، سواءٌ بالنسبة إلى الفرد أو بالنسبة إلى الجماعة المتعاونة، في صُنع أقصى ما يمكن بالوسائل المُعطاة، إلاَّ أنَّ العكس هو الذي كثيرًا ما يحصل في البلاد المتخلِّفة حيث يتضح أنَّ الوسائل، فضلاً عمَّا تؤول إليه من نقصٍ بحُكم مستوى الاكتمال الاجتماعي، تبدو وكأنَّها مُمتهنَة في طريقة استعمالها من جرَّاء بعض الثغرات النفسِيَّة المُعيَّنة!… ولقد أشرنا في كتاب سابق إلى تحقيق أجرِيَ منذ بضع سنوات في إحدى المدن الجزائرية الصغيرة، حيث بدا لنا أنَّ “المنافع” إذا اعتبِرَت بالنسبة إلى ميزانية “النثريات” يمكن أن يُترجَم عنها في علاقة خمسة في المائة بخمسة وتسعين في المائة ويمكن لهذا التحقيق أن يؤدي – في مستوى القياس نفسه تقريبًا – إلى ذات النتيجة إذا ما قسناه في الصعيد القومي أو الصعيد الفردي سواءٌ بسواءٍ! ففي الحالتَين يمكننا أن نتمِّم النتائج السلبية نفسها بالنسبة إلى “العامل”: لأنَّ هذا الأخير في علاقة مباشرة بالمعادلة الشخصية التي تُمثل فيها – مع عناصر الاكتمال الاقتصادي العصري – المُعطيات “النَّفسيَّة – الجثمانيَّة” الوراثِيَّة التي تتعارض مع الاكتمال في البلاد التي يتكوَّن فيما بعد “الوعي الاقتصادي”، إذ ليست الوسيلة المادية فحسب هي التي تنقص هذه البلاد لتكون ما يعبَّر عنه في فرنسا بـ “الاقتصاد الشخصي”، إذ يعوزها أيضًا امتلاك الروح الاقتصادية!… ولكي يحدِّد الإنسان الإفريقاسيوي مهمَّتَه الاقتصادية، يجب عليه أن يتخلَّص من “العامل الدون” الذي يسفُّ بفعالية وسائله. (كتاب مالك بن نبي الذي أشار إليه هو كتابه “مهمة الإسلام” نشرَه في باريس سنة 1954).

الغذاء والكرامة الإنسانيّة أوّلاً

ولا يمكن إدماج ذلك الإنسان في اطِّراد الاكتمال الاقتصادي من غير أن يوضَع – كمبدأ – انتقاله اللاَّمشروط من الطَّور النَّباتي الرَّاكد، إلى طور النَّشاط، وذلك بأن تُضمَن له بدون شرط كمِّيَة “الحُريرات” الضَّروريَّة، ويُكفَل له حقُّه الأساسي في الكرامة. أجل! يجب أن تُوضَع المشكلة أولاً وبالذات في حدود الوجود أو الكينونة!..

فمشكلة التغذية عندما تُوضَع في هذه الحدود، لا محالة تعقبها مشكلة العمل الكامل، إذ تندغِم القضيَّتان من أول الأمر في قضية واحدة تترجم عن المشكلة الاقتصادية على التصميم البشري والأخلاقي معًا. إنَّ المنهاجَ الاقتصادي يوجِّه بالقوى الأخلاقية التي تمنحه دلالة إنسانية، وغائِيَّة تاريخِيَّة.

يُوزَّع الآن يوميًّا “خمس لتر” من الحليب على تلامذة المدارس الابتدائية، مُضافًا إلى ذلك ما تنتويه شركات الفحم من توزيع الوقود مجانًا في شروط مُتَّفق عليها مع السلطات. وللبلاد الإفريقياسيوية مصلحةٌ خاصة في أخذِها بعين الاعتبار هذا المدى من التطوُّر، عساها تضبط “الاقتصاد الحافز” مع “العمل الحافز” الضروريين لانعتاق حياتها الاقتصادية. وبصرفِ النَّظر عن مدى التخلُّف الذي يجب على هذه البلاد أن تستدركه من جرَّاء معطياتها ذات الصِّبغة النفسانية التي اختبرناها فيما سلَف، فإنَّ المُتطلَّب منها هو أن تستدرك – على التصميم الاقتصادي البحت – تخلُّفها الناتج عن اقتصادٍ لا يزال في طوره الابتدائي. ويتوقف تجهيزها – لكي ينتقل إلى الطَّور الثانوي من التَّصنيع – على الزراعة والمواد الأوَّلية أولاً وبالذات أنَّهما ثديَا الاقتصاد الافريقاسيوي، ووسيلتَا انعتاقه..

محمد ياسين رحمة - الجزائر

محمد ياسين رحمة - الجزائر

اقرأ أيضا