من الأردن إلى الإمارات فالرّباط والأمم المتحدة.. المُؤامرة أمريكية.. والأداة مُلوكٌ وأمراءُ وبقيّةٌ من آلِ عِجل!

يقولون، والعهدة على الراوي و”الراعي” الحقيقي لسيناريو المحرقة الجارية الآن على البر بعد أن أنهت مهمتها في الجو – حيث غزة الآن تَكتب آخر قصص الشرف في الدفاع عن نخوة الصمود، إن الجمعية العامة للأمم المتحدة صوّتت بالأغلبية على مشروع قرار هدنة إنسانية بالأراضي المقصوفة بغزة الشموخ، والتي لم يبق منها إلا ركام جثث بعد ركام أنقاض كان عُمرانا! لكن المضحك في ذلك القرار، ليس فقط في امتناع بعض الدول “الأعرابية” عن التصويت وكذا تصويت بعض الممالك والإمارات ضده، ولكن في مهزلة أنه قرار مُذَيل بملاحظة، “غير مُلزم”، وهو ما يعني أنه مجرد اقتراح، إن شاء الكيان الصهيوني ومن ورائه أمريكا بايدن وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، الأخذ به وإن شاؤوا رموه في وجه من أضحت هيئة لأمم “ملتحفة” بعار صمت وعجز؛ هذا إن لم يكن عار مباركة وتزكية وتبرير لما جرى ويجري وسيجري من مذابح قادمة، وخاصة أنه بالتزامن مع اجتماع هؤلاء حول مشروع قرار الهدنة أو التهدئة، كانت جحافل الجيش الذي لا يقهر تجتاح أرض الصمود برا، لتصطدم بواقع أنه إذا كان الجو مقاصف الجبناء فإن على البر، حيث الأرض عرض، مرحلة أخرى من طوفان الرجال؛ رجال هُم الأرض أديما وجذورا وملاحم.

الأمم “الملتحِفة”.. وحقيقة “هُنا نيويورك”!

في عام 1982، وحين بلغها أن الأرجنتين قامت باجتياح جزر فوكلاند في محاولة لإخراجها من الوصاية البريطانية، لم تتردد رئيسة وزراء المملكة مارغريت تاتشر، في قول: “سندخل الحرب فورا”، لكن مستشاريها المقربين نصحوها بأن تتريث وتنقل القضية إلى مجلس الأمن لإثبات انتهاك القانون الدولي، وإلزام الأرجنتين بالتراجع عن مغامرتها، لكن المرأة الحديدية يومها، ثارت في وجه من حولها، قائلة بحزم أنا لست زعيما عربيا يتسول حقوق بلاده في نيويورك !

بين ذلك الأمس من تاريخ تاتشر، الذي حددت فيه سيدة بريطانيا الحاكمة يومها، مسمى الأمم المتحدة ومجلس الأمن وغيرهما من هياكل أممية المزاعم الإنسانية في مساحة نيويورك، كمصدر قرار أممي، وبين واقع الأمم المتحدة اليوم وقراراتها غير الملزمة، فإنهم وحدهم العرب من ما زالوا يتسولون حقوقهم من هيئة أممية يعلمون يقينا أنها ليست إلا مكتبا تابعا للبيت الأبيض، وأنه لا قرار يصدر منها إلا بأمر من أمريكا، ورغم ذلك فهم يصرون على ممارسة دور النعامة في دس رأسها في الرمل في مغالبة بائسة لحقيقة الأشياء ومراوغة أكثر بؤسا، لواقع أن نيويورك التي ترسو بوارجها على مقاصف غزة، هي من يمكنها أن تقبل بهدنة إنسانية ووقف للحرب المعلنة على غزة المحاصرة لصالح كيان آل السبت.

مشكلة الأعراب كممالك وإمارات ودول متسولة لوجودها وحقوقها من سالبها ومغتصبها وجلادها الأبدي القنص والقصف، أنهم لا يقرؤون التاريخ، بل إنهم يتعمدون أن لا يفهموه، وكل ذلك حتى يبرروا عجزهم على مواجهة الحقائق كما هي، وما قرارهم غير الملزم في الجلسة الطارئة للجمعية العامة للأمم المتحدة والمطالب بهدنة “إنسانية”، فقط لانتشال جثث العالقين – من مدنيين عزل – بركام وتحت أنقاض غزة، إلا دليل واضح عما انتهت إليه أمة، أضحى أكبر هَمّ لمسمى كبارها وزعمائها وملوكها أن تحصل من العالم على حقها في إكرام قتلاها بالدفن، وليس في حماية رعاياها وصون حياتهم. وفعلا، ومع كل الخزي الذي نعيش، فإننا الأمة التي انقسمت بين عجزة حاكمين يتسولون حقهم في دفن ضحاياهم، وخونة مالكين ومملوكين باعـوا ذممهم قبل ذمم أوطانهم في المحافل الدولية، وإنها فجيعة أمة شهد لها العالم بأنها لا تأكل الميتة ولحم الخنزير، لكنها تأكل بعضها بعضا، إما خيانة أو جوعا مقترنا بعجز الجبنـاء..!

ما لا يعرفه أو يقفز عليه الموقعون على مشروع قرار الهدنة الإنسانية بالجمعية العامة للأمم المتحدة، هو أن تلك الهيئة التي عرفتها مارغريت تاتشر بكونها مجرد هيكل خاوٍ برقعة نيويورك، والتي ينتظر منها العرب أن تنتصر لمدافنهم وليس لحياة أطفالهم بفلسطين اليوم، ليست إلا خواءً تاريخيا ثابت العنوان، حيث عجزها أمام الكيان الصهيوني ليس وليد اليوم فقط ولكنه الأمس القريب من عام 2006، من سجل لنا بين صحائفه كيف أن هيئة الأمم المتحدة، وعلى هامش العدوان الصهيوني على لبنان، لم يتجرأ مجلس أمنها الدولي على إدانة الكيان الصهيوني، بكلمة واحدة، وذلك بعد قصفه لنقطة تابعة للأمم المتحدة وقتل أربعة من العاملين فيها، ليصدر بيانا باهت الشكل والمضمون في 28 جويلية 2006 دعا فيه مجلس الأمن حكومة الكيان الصهيوني إلى إجراء تحقيق بأسرع وقت في الحادثة، وطبعا من يعجز ليس فقط على حماية موظفيه، ولكن عن إدانة قاصفهم ولو بكلمة، لا يمكن أن نتوقع منه أن يحمي غيره أو تكون لقراراته قيمة سواء بذلك الأمس القريب أو أمام الرجس الغريب الذي نعيش اليوم!

هي نيويورك أو البيت الأبيض ما يسمّى الأمم المتحدة، فلا داعي لبيع الأوهام ولنعترف أننا المتسولون، وأنها مارغريت تيتشر من حددت كيف يمكن للشعوب أن تستعيد حقوقها بعيدا عن لعبة القرارات غير الملزمة، ووحدها لغة “الحرب فورا”، ما تغيّر معادلة الصراع ووحده طوفان الأقصى من عراهم جميعا، ليسجل “أن للحرية الحمراء بابا بكل يد مضرجة يدق”..

من إمارات الخيانة إلى الأردن فمَربطِ ورباطِ الملك.. إنَّ الخيانةَ عروشٌ!

قبل أن يرفع “طوفان الأقصى” أسهم الكرامة العربية إلى سقف الشرف في درجته الأسمى، وقبل أن تنتفخ الشعوب العربية نخوة، بما خلفته غزوة الرجال في طوفان أن للعروبة رجالها إذا ما جد الجد واستدعى التاريخ نخوته، قبل ذلك وفي تاريخ سابق من مذلة عنوانها الشاي والبن مقابل الأسرى، أعلنت حكومة الكيان الصهيونية، في واقعة ساخرة من جويلية 2009، عن رفعها الحظر على دخول الشاي والبن لغزة المحاصرة مع تعليق ساستها يومها على أن هذه الخطوة ستفتح آفاق المفاوضات بين حركة حماس وجيش الاحتلال حول قضية الأسرى، وبقدر ما كان الخبر – حينها – مضحكا ومذلا عما هوت إليه قيمتنا، كون معاركنا أصبحت شايا وبنا، بقدر ما نرى اليوم، كيف انتهت لعبة البن والشاي بالكيان الصهيوني لأن يفهم الفرق بين مقاومة كانت هي الطوفان، وبين ممالك وحكام وإمارات من محيط الخنوع إلى خليج المذلة، كانوا يفاوضون الكيان على علبة شاي وبضع غرامات من البن، مقابل تطبيعهم وخنوعهم وتناولهم لكأس شاي من إبريق نتنياهو.

الجنون الصهيوني ورغم كل المذابح التي ارتكبها في محرقة الأقصى، ورغم الخيانات وطعنات الغدر من ملك أردني، استقبل الجزار نتنياهو في أوج إجرامه، أو ملك مغربي أوعز لليهود أن يُهجروا رعاياه من أراضيهم وينزعوا عنهم مساكنهم وأراضيهم بقرارات عدالة متهودة، ناهيك عن بائعة هوى سياسي إماراتية برتبة وزيرة خارجية، راحت تدين الشرف كونه قاوم اغتصابها واغتصاب امارات آل نهيانها علنا، ذلك الجنون الصهيوني الذي كان يفاوض الأمة في سنوات تهاويها بكأس شاي وملعقة بن، صُدم اليوم أمام “طوفان غزة”، برجال وقفوا أمام العالم كله، رافضين أي تفاوض أو صفقة إلا على كرامة الشعب الفلسطيني وحقه في أرضه، فرغم عروض وقف المحرقة والقصف مقابل الأسرى الصهانية، إلا أن لسان حال الطوفان، طوفان أقصى عنوانه العيش بكرامة أو الموت بعزة.

بين عمالة ملك أردني وانبطاح ملك مغربي وخيانة بائعة هوى إماراتية الافتراش، فإن لسان الحال أن المقاومة أكبر من جلسة شاي بالأمم المتحدة أو قعدة بُنٍ أردنية أو مغربية التطبيع، كما أنها أعمق وأعرق من إمارة أرسلت غانيتها لكي ترافع للرذيلة حفاظا على حقها في ممارسة البغاء السياسي باسم شرف الخيانة.

مجمل القول، بقدر ما تثبت غزة، كل دقيقة وكل ساعة وكل يوم، صمودها، بقدر ما تتعرى أنظمة العار من عروش الخم، لتؤكد أن الخيانة ليست فقط تطبيعا ولكنها جينات تم زرعها بعناية في جسد الأمة لتصبح هي الحاكم المُرَوِض لشرف الشعوب، لكنها غزة الطوفان من رفعت الرأس وجَبت ما قبلها من عار لم يعد إلا عار الحكام والأنظمة وخلفهما جلسات كؤوس الشـاي وفناجين البن وراقصة حي تسمى إمارة، فغانية نفط بلا عرض وتحت الطلب!

أسامة وحيد - الجزائر

أسامة وحيد - الجزائر

اقرأ أيضا