تشهد العلاقات الجزائرية-الأمريكية تطورًا لافتًا في المجال العسكري، مع إعلان سفير الجزائر بواشنطن، صبري بوقادوم، عن قرب انطلاق مباحثات استراتيجية بين البلدين لتعزيز التعاون الدفاعي. ويأتي ذلك في وقت تسعى فيه الجزائر إلى تنويع شركائها في المجال العسكري والأمني، وسط سياق جيوسياسي معقد وتغيرات في السياسة الأمريكية مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.
خلال لقاء صحفي بمقر السفارة الجزائرية في واشنطن، أكد بوقادوم أن وزارتي الدفاع الجزائرية والأمريكية تستعدان لإطلاق حوار موسّع لتعميق الشراكة الأمنية بين البلدين، في إطار مذكرة تفاهم تم توقيعها في 22 جانفي الماضي.
وبحسب تقرير نشره موقع “ديفانس سكووب”، تشمل المباحثات عدة محاور، منها تبادل المعلومات الاستخباراتية البحرية، إبرام صفقات تسليحية جديدة، التعاون في مجالات البحث والإنقاذ، ومكافحة الإرهاب في منطقة الساحل. ورغم عدم تقديم تفاصيل دقيقة حول المشتريات العسكرية الجزائرية المحتملة، أشار السفير إلى أن ثلاث ورشات عمل ستُعقد قريبًا لتحديد آليات تنفيذ الاتفاق ووضع خارطة طريق للمراحل المقبلة.
وحتى الآن، اقتصر التعاون العسكري بين الجزائر والولايات المتحدة على شراء الذخائر، وطائرات النقل العسكري، ومعدات الاتصالات، لكنّ التحركات الأخيرة تشير إلى احتمال توسيع قائمة المشتريات الجزائرية، وهو تطور قد يُحدث تغييرًا في استراتيجيتها الدفاعية التي اعتمدت تاريخيًا على روسيا كمورد رئيسي للسلاح.
دور القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم)
زيارة قائد أفريكوم، الجنرال مايكل لانغلي، إلى الجزائر في 22 جانفي 2025 كانت محورية في تعزيز هذا التقارب، حيث التقى بالفريق أول السعيد شنقريحة لتوقيع مذكرة تفاهم لتعزيز الشراكة الدفاعية بين البلدين. وهذه الزيارة تعد الثالثة من نوعها للجنرال لانغلي، ما يعكس اهتمام الولايات المتحدة بتوسيع نفوذها الأمني في شمال إفريقيا والساحل، خصوصًا مع التحديات المتزايدة التي تواجه المنطقة، مثل الإرهاب والجريمة المنظمة.
ويرى مراقبون أن الجزائر، بحكم موقعها الاستراتيجي، تُعتبر شريكًا مهمًا للولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب والاستقرار الإقليمي، وهو ما يدفع واشنطن لتعزيز التعاون العسكري مع الجيش الجزائري، الذي يُعد من أقوى الجيوش في إفريقيا.
عودة ترامب
مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، يترقب المراقبون ما إذا كانت السياسة الأمريكية تجاه الجزائر ستشهد تغييرات جوهرية. فخلال عهدته الأولى، تبنى ترامب مواقف داعمة للمغرب في قضية الصحراء الغربية، وهو ما أثّر سلبًا على العلاقات الجزائرية-الأمريكية. لكن مع استمرار التحديات الأمنية في الساحل الإفريقي، قد تجد إدارة ترامب الجديدة نفسها مضطرة إلى تعزيز التعاون الأمني مع الجزائر، حتى وإن كانت أولوياتها السياسية مختلفة عن إدارة بايدن.
وفي هذا السياق، أكد بوقادوم أن العلاقات الجزائرية-الأمريكية لن تتأثر بتغير الإدارات، مشيرًا إلى أن الجزائر تسعى إلى تعزيز التعاون العسكري والاقتصادي مع واشنطن، خصوصًا في قطاعي الطاقة والمعادن الاستراتيجية، حيث تُعد الجزائر أحد أهم مزودي أوروبا بالغاز الطبيعي، وتملك احتياطات هائلة من الموارد المعدنية النادرة.
استقلالية القرار الجزائري
رغم هذا الانفتاح على واشنطن، تُؤكد الجزائر دائمًا على استقلالية قرارها السيادي في مجال الدفاع والتسلح، فهي لا تنخرط في تحالفات عسكرية، وتحرص على تنويع شركائها الاستراتيجيين، سواء مع روسيا، أو الصين، أو حتى أوروبا.
وبينما تتجه الجزائر نحو تعزيز شراكاتها مع الولايات المتحدة، فإنها توازن هذه الخطوة بالحفاظ على علاقاتها القوية مع موسكو وبكين، ما يجعل سياستها الدفاعية أكثر مرونة، وقادرة على التكيف مع التغيرات الجيوسياسية.