من اليهودي “بلينكن” إلى المسيحي “جونسون”.. حرب صليبية.. لا “ناصر” ولا صلاح الدين لها!

قبل سنوات من نفوقه كأي “دابة” انتهى بها تاريخها الوسخ إلى باطن التراب، لترتاح الأرض من دمويتها وعفنها الصهيوني القذر، خلف الهالك أرائيل شارون، الذي حنطت الحكومة الصهيونية جثته لسنوات على أمل عودة روحه، قبل أن تسلمها لدود الأرض، وصية خالدة لآل سبته من شتات الكيان، واصفا فيها حال الأمة العربية حكاما وأنظمة وشعوبا، بقوله: “نحن أمام ثقافة القتل والكذب لأمة منتهية الصلاحية، وهم مستعدون لقتل بعضهم البعض بدم بارد، فلا تقلقوا فلا قادم ولا شيء يمكن أن ينتظر منهم”..

أرائيل شارون، أو جزار صبرا وشاتيلا، ما كان له أن يصل لتلك القناعة لولا يقينه  بأنه خَلّفَ على رؤوس العروش العربية، من خَبِرَهُم حُكاما من رِقٍ ووَرَقٍ، لا هَمّ لهم ولا غاية إلا المحافظة على عمائمهم وجواري قصورهم، لذلك، فإن نظرية القتل بدم بارد  لبعضهم البعض والتي قالها شارون، تجسدت فعلا وقولا، بعد هلاكه بسنوات، في مسمى عاصفة “حزم”  أعرابية أثبتت فعالية مقاصفها باردة الدم، لِيَـَمَن فقير ومُعدَم، كما تمددت لدمشق  أضحت أثرا بعد عين، حالها من حال عراق كان بغدادا وصدّاما وحرائر حضارة، فتم انتهاكهن بأيادي الأعراب قبل أقدام العلوج الأمريكية ، التي اغتنمت لها ما شاءت من شرف النفط وأنهار الدم وعذرية ما كان من الحرائر، وذلك في حروب متوالية، ظاهرها نشر الديمقراطية وباطنها ما في باطن التاريخ من أحقاد الصليب وما تحت باطن الأرض من ثروات سائبة.

الثابت الذي نفض عنه “طوفان الأقصى” الغبار، كما عرته جثث المحترقين والمنصهرين بنبالم ومقاصف الكيان الصهيوني بغزة، أن ما يحدث الآن في ساح المذبحة الدولية لمساحة من العزل والمدنيين بفلسطين، أن الغرب ممثلا في أمريكا وأوروبا لم يعد يخفي هوية حربه، فإذا كانت “إسرائيل” هي اليد التي تنفذ المخطط القديم لحرب سداسية، فإن أمريكا وأوروبا لم يعد لديهما ما يخفيانه من ثأر صليبي متراكم الهزائم، كان هو المخطط الكامن قبل أن يخرجه طوفان الأقصى إلى العلن، معريا اللعبة القذرة من بدايتها لنهايتها. وطبعا، قوة وعنجهية وجرأة الساسة الأمريكيين والأوروبيين في إعلان التعبئة والحملة الصليبية واضحة الأحقاد، ما كان لهم أن يكونوا بتلك الصراحة والفعالية والوضوح لولا أن الهالك أرائيل شارون سبق الجميع إلى طمأنتهم بأنه لا خوف من حكام وأنظمة عربية لا تحسن القتل بدم بارد وبفعالية مطلقة، إلا حين يكون المقصوف عربا من أشقاء الدّم والهمّ والألم.

من بايدن إلى بلينكن وصولا لجونسون.. الصليب كما “ريتشاد” واحد!

يروى في تاريخ الحروب الصليبية أنه حين كان الملك ريتشارد قلب الأسد على فراش الموت، يصارع غصة هزائمه وانكساراته على أبواب قدس كان فارسها ونصرها كلّه الناصر صلاح الدين، زاره بعض الرهبان والأحبار مُعِيدين ومتسائلين: هل انتهينا؟ وهل ضاعت منا الأراضي المقدسة إلى الأبد؟

لحظتها، استجمع الملك قواه، قوى ميت في لحظاته الأخيرة، ليخلدها وراءه وصية تاريخية النبوءة، أنهم عائدون يوما، ولكن حين يولد من بين ظهريهم من هُم في عقيدة صلاح الدين صليبا وليس هلالا، وحين ينقرض من الآخرين كل صلاح ودين فيهم!

الحقيقة المطلقة أن ريتشاد لم يكن يهذي  هلوسة وموتا، ولكنه كان يرى القادم من أهله وحملة لواء حربه المقدسة، حيث ملامح من كان يتنبأ بهم تجسدت في فارس حقد، وقف أمام العالم من بلاط “تل أبيب” ليخاطب بطل محرقة غزة بنيامين نتنياهو وهو يشدُّ على يده، بأنه جاء من البيت الأبيض ليس بصفته وزيرا لخارجية العجوز جون بايدن، ولكنه بصفته “يهودي”، جاء ينتصر لهزائم أجداده التاريخية الانكسار، كما أن الاعتراف نفس والإقرار  ذاته تكرر على لسان رئيس  مجلس النواب الأمريكي مايك جونسون، قبل يومين فقط، حيث لم يتردد في التصريح علنا  بأن وقوفه مع الكيان الصهيوني في جرائمه المخزية ليس موقفا سياسيا أو اقتصاديا، ولكنه موقف ديني بحت، وذلك بعد أن أعلنها صراحة بأن “مسيحيته” التي  أجبرته وفرضت عليه الاصطفاف  مع اليهود واليهودية في حربهم على الإسلام، والتصريح كان واضحا وفاضحا، فالمشكلة والمحرقة في غزة، ليس بسبب عملية نوعية تسمى طوفان الأقصى، ولكنها لأجل الأقصى وقدسه وما يعني ذلك في عرف أحفاد ريتشاد وفي تاريخ قلب الأسد.

من ساسة البيت الأبيض إلى حاكم فرنسا فمملكة بريطانيا وصولا لأحفاد روما القديمة، فإن اللعب أضحى على مكشوفٍ رايتُه صليبية، ووحدهم حمقانا من حكام أنظمة ونخبة مستلبة وشيوخ دين معتوهين من لم يفهموا أن معركة غزة معركة أمة ومعركة دين، وأنها فوق هذا وذاك معركة وجود وليست حدود، كما قالها “مجنون” منا ذات قذافي أشمّ ومسحول في شوارع رعاعنا المتخمة بعبث الهوام!

لم يعد هنالك من شكّ، بعد تصريح رئيس مجلس النواب الأمريكي الأخير، في أن القضية أكبر من محو غزة إلى محو كل مَعْلَمٍ عربي وإسلامي بالقدس، فالحرب الصليبية أقدم من عبثية التفسير والتبرير والشرح، وتهجير سكان غزة يتجاوز مساحة الإنسان فيها إلى ساحة التاريخ وما يجب أن يُسطر ويُكتب ويُسجل فيه، ومجمل  القول هنا، أن ريتشاد قلب الأسد حين ربط عودته من قبره غازيا،  بميلاد جيل في عقيدة صلاح الدين وسط بني ملته وبوجهها الصليبي المقيت، كان يدري أن القادم على القدس حرب عقيدة وليس حرب جغرافية وثروات وتوازنات، وأن مكمن تجدد رفع  لوائه من ترابه يكمن في انبعاث من يحملون صليبهم في قلوبهم وليس على صدورهم، وهو ما كان من يهودية “بلينكن” ومسيحية “جونسون” وصليبية “جون بايدن”، ومن ورائه بيت أبيض إستراتجيته الواضحة التهويد، أن يمحو كل ما يرمز إلى الإسراء كواقعة نبوة، سواء كانت الرحلة باتجاه القدس أو حيث القبلة مكة المكرمة.

بين السديس والسداسية وكل سادس من أمراء وملوك الخُمّ العربي!

ما صرح به مارك جونسون، من برلمان أمريكا عن دافعه المسيحي في الوقوف مع المذبحة ولا يهم هوية قتلاها، لم يحرك ساكنا في شيوخ الدين في الأمة الاسلامية، بل العكس هو الذي حدث؛ حين خرج المدعو عبد الرحمان السديس، والذي يعتبر الشيخ الأكبر، والأصح الحبر الأعظم في البقاع المقدسة ليخطب في الناس مُحَرِمًا الخوض في موضوع غزة، بحجة أن القضية تتعلق بالحاكم المطاع وليست بالعوام، والمضحك في السديس الذي أثبت بفتواه أنه ابن بار لسداسية الأحبار، أكثر حتى من سادة المعابد و كهنة الكنائس، أن مفتي بن سلمان تغاضى وتعامى وتجاهل  الصليب الذي رفعه في وجه الأمة والدين والتاريخ، رئيس مجلس النواب الأمريكي ناهيك عن سداسية بلينكن قبله. وصدقا، أن مصيبة الأمة التي ظنناها في “سادس” حاكم، سواء كان مغربيا أو سعوديا أو إماراتيا أو مصريا، بغض النظر عن اختلاف أسمائهم، ظهر أنها أعظم وقعا، حين انتهت إلى شيوخ المنابر الذين لا غرابة أن زايد سديس منهم وأفتى بعدم جواز الدعاء لغزة كأضعف الإيمان، ليقرنه بالكفر البواح.

الغريب الذي عراه أيضا تصريح مارك جونسون، هو مُسمى “العلمانية” والعلمانيين عندنا، ممن ركبوا موجة الغرب لسنوات من الاستلاب والانسلاخ، داعين لفصل الدين عن الدولة، فإذا برئيس برلمان أمريكا يصفعهم جمعا وجموعا، ويقول لهم إنه يحارب ويقهر ويقف مع الظالم، اعتبارا من “مسيحيته” وليس لموقف سياسي أو اقتصادي، والنتيجة كما نرى، هُمْ يقولون إن ماهية حروبهم دينية صليبية المنشأ والانتماء والاعتناق، فيما العلمانيون عندنا، من مُدعي التحرر  والتعايش الثقافي والحضاري  يزايدون بالإلحاد ويحاربون كل ما يرتبط بالعقيدة دينا وأحكاما وحُكْما. وبعبارة أدق، متى يفهم هؤلاء شيوخا وعلمانيين أن القضية برمتها تتعلق بتحالف قذر بين سداسية عقائدية وسادس حاكم وسديس مفتٍ، أما الضحية فأمة لا ناصر ولا صلاح الدين لها؟!

آخر الكلام ومجمله في حروب الصليب على الإسلام كيانا ومُكَوِنًا أن الغرب وضع الأمة العربية أمام خيار من اثنين، فإما أن يعيش رعاياها كقطيع تحت سلطة طينة بن سلمان والسادس والسيسي ومحمد زايد وغيرهم من حكام الخم العربي، وإلا فإن نهايتنا من نهاية مقاصف غزة حرقا ونسفا وخسفا.

للتذكير فقط، وبعيدا عما يدفن ويردم في غزة الصامدين، تداولت الصحف البريطانية، قبل أيام، خبرا طريفا عن ملكة بريطانيا الجديدة “كاميلا شاند”، والتي تحمل صفة “سيدة الصليب الأكبر”، حيث قامت هذه الأخيرة وبالموازاة مع ما يحدث في غزة من قصف للإنسان والحيوان بتبني تربية ثلاثة “أحمرة”، كنوع من العطف الملكي على هذا النوع من الحيوانات المستكينة والخانعة، والرسالة الواضحة من عطف سيدة الصليب الأكبر على جينات النهيق، ما أطيب الغرب حين يتعلق الأمر بفئة الحمير و”الـجِحَاش”.. انتهى العرض والبقية.. نهيق و”أرررررر”.. !

أسامة وحيد - الجزائر

أسامة وحيد - الجزائر

اقرأ أيضا