موسم التوجيه الجامعي.. بين ما يرغب به الطالب وما يستحقه!

مع الكشف عن نتائج امتحان شهادة البكالوريا أمس الإثنين، يتوجّه اهتمام الطلبة الناجحين من فرحة الانتشاء بالفوز إلى التفكير في مرحلة التسجيلات الجامعية، إذ تبرز إشكالية التّوجيه الجامعي ومدى موضوعية التساؤلات التي يبديها عدد من الطلبة حول المعايير التي تعتمدها الإدارة خلال تعاملها مع رغبات المترشحين وخياراتهم، بالنظر إلى أن بعض المسجلين يرفضون ـ تحت ضغط طموحاتهم ـ التصرف بواقعية باعتبار أن علاماتهم لا تسمح لهم باختيار التخصصات التي يرغبون فيها، وبالمقابل فإنهم ينظرون إلى التخصّصات المستحقّة لهم على أنها عقيمة ولا طائل من ورائها.

ومهما يكن، فلا يليق تجاهل أسباب التشكّيات المعتادة للطلبة خلال عملية التوجيه، مع انطلاق كل موسم دراسي، إذ يبدو من الضروري ـ هذا العام ـ تكثيف العمل على إقناع الطلبة أن النظام الجديد للتوجيه الذي أعلن عنه وزير التعليم العالي والبحث العلمي كمال بداري مؤخرا، يراعي جميع انشغالاتهم.

اعتماد المعدل العام والموزون

وفي هذا الإطار، كشف الوزير بداري ـ خلال استعراضه يوم السبت، للمستجدّات التي سيعرفها الموسم الجامعي القادم ـ أنه “سيتم الاعتماد على المعدل الحسابي الموزون، إضافة إلى المعدل العام للبكالوريا في عملية التوجيه، خلال الدخول الجامعي المقبل”.

وأكّد بداري، على إقرار “اللجوء إلى احتساب المعدل العام للبكالوريا في حالة لم يمكّن المعدل الموزون من الحصول على التخصّص الذي يرغب فيه الطالب، وهو ما سيرفع ـ حسبه ـ من نسبة تلبية الرغبات”، مشيرا إلى أن “القطاع يعمل حاليا على التوجيه الصحيح والأنسب لحاملي البكالوريا الجدد وفقا لمهاراتهم ورغباتهم”، “فكل المؤسسات الجامعية مستعدة لاستقبال الطلبة الجدد”، يؤكد الوزير.

يذكر أن حساب المعدل الموزون في توجيه الناجحين في البكالوريا، قد استُحدث عام 2021 في إطار الرفع من مستوى التكوين في بعض التخصصات، خاصة في ميادين العلوم والتكنولوجيا، وهذا من خلال مراجعة المعدلات الدنيا للالتحاق بها، مع إدراج شروط إضافية تأخذ بعين الاعتبار المواد الأساسية حسب كل ميدان.

وأرجعت الأمينة العامة للهيئة الوطنية للتعليم العالي والبحث العلمي، بالرابطة الجزائريّة للدفاع عن حقوق الإنسان، الدكتورة سامية غشيّر أسباب الفوضى في التّوجيه بالمؤسسات الجامعيّة إلى “المغالاة في تمجيد التخصّصات العلميّة، ووضع علامات مُرتفعة لدراستها، وعدم الاهتمام بتخصّصات العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، وتقزيم دورها في الحياة إنسانيا، وعلميا، وعمليا”.

وأشارت سامية غشيّر، في تصريح لـ«الأيام نيوز»، إلى أن “معظم الطلبة ينظرون إلى هذه التخصّصات نظرة دونيّة، فهي في نظرهم تخصّصات عقيمة لا نفع لها، ولا فائدة منها، ولا عمل فيها، بالإضافة إلى “غياب وسائل الإعلام والتّوجيه في المؤسّسات الجامعية، لتشرح وتفصّل ماهية التّخصّصات العلميّة، والتّخصّصات الأدبيّة، والاحتياجات إليها في سوق العمل”.

إعادة الاعتبار للتخصّصات الأدبيّة

وقصد تصحيح الاعوجاج، وتقويم بعض الأفكار غير البنّاءة المنتشرة في أواسط التلاميذ، ناشدت المتحدثة القائمين على المُؤسّسات التّربويّة على العمل لإبراز فائدة كلّ شعبة، ودورها في الحياة، وأهمّيتها في ترقية المجتمع، وتنميته، وتثقيفه، وتصحيح المفهوم الشائع أنّ المواد الأدبيّة يوجّه إليها أصحاب المعدّلات الضعيفة، وأنّ أصحاب المعدّلات المُرتفعة يُوجّهون إلى الشّعب والتخصّصات المهمّة.

وأكدت الأستاذة بجامعة حسيبة بن بوعلي بالشلف على أنّ “التّوجيهات والإرشادات من شأنها إزالة بعض الأفكار المُترسّبة في ذهن التّلميذ بعدم جدوى التخصّصات الأدبيّة، وترسيخ الرضا بجدواها، وأهمّيتها في الحياة، ودورها الكبير، والذي من شأنه أن يغيّر معايير التّوجيه في التخصّصات الجامعيّة، ويعدّل بعض الشّيء مُعدّلات القبول، من خلال خفض معدلات القبول للتخصّصات العلميّة المهمّة مثل الطّب بفروعه المختلفة، والمدارس العليا، ورفع قليلا معدّلات التخصّصات الأدبيّة مثل: الآداب، واللّغات، علم النّفس، علم الاجتماع، التّاريخ، الفلسفة القانون، والعلوم الإنسانيّة، حتى يتحقّق بعض الشّيء التّوازن بين التّخصّصات”.

وحسبها “فيجب العمل على إدخال بعض التّخصّصات إلى سوق العمل، من خلال إدراجها في مسابقات التّوظيف المُختلفة، مثل: مسابقات توظيف الأساتذة، والإدارات المُختلفة، وغيرها قصد جعلها أكثر فاعلية وطلبا، وإقبالا على الدّراسة”.

وقالت المتحدثة إنّ “إعطاء كلّ تخصّص جامعيّ قيمته، وأهميّته، وفتح الظّروف الملائمة أمام الطّلبة لدراسته في أفضل الظّروف، وتوفير مناصب شغل حوله من شأنه تحفيز الطّالب على دراسة التّخصّص بعيدا عن معيار المعدّل”، ودعت سامية غشيّر القائمين على عمليّة التّوجيه الجامعيّ إلى “إعادة مُراجعة معدّلات القبول، وتلبية رغبة كثير من الطّلبة في اختيار التّخصّص الّذي يريدونه، ويطمحون إلى التفوّق فيه، قصد تحبيبهم في الدّراسة”.

وحسب سامية غشيّر، فإنّ “الطّالب الّذي تلبّى رغبته يستعدّ لذلك التخصّص، ويندفع إليه اندفاعا كبيرا، ويحاول النّجاح فيه، والتفوّق بحصد علامات مُرتفعة وتحقيق نتائجَ مُشرفة تحقّق له الرضا، وترتقي بالدّراسة، والبحث العلميّ في مؤسّساتنا الجامعيّة”.

فقدان الرغبة والدافعيّة في دراسة التّخصص

وأوضحت الأكاديمية بأنّ “لكلّ تخصّص وزنه المعرفي، والعلمي، والعملي، وله دور كبير في عمليّة التّعليم، والتّثقيف، والإنتاج، وتحقيق التّنميّة الّتي تعود بالخير على وطننا، ومجتمعنا، ومُحيطنا الجامعيّ، وتُسهم إسهاما جليلا في بناء الإنسان بناءً صحيحا، حقيقيّا، وفاعلا”، كما أن “الطّالب الناجح في شهادة الباكالوريا يوجّه عادة حسب التخصّص الّذي اختاره، أو التّخصص الّذي يتوافق مع معدّله، وفي معظم الأحيان يُوجّه دون رغبته، وهذا ما ينتج عنه فقدان الرغبة والاستعداد والدّافعيّة في دراسة التّخصص الجامعيّ”.

من جانبها، تعتقد الأستاذة بقسم علوم الإعلام والاتصال، جامعة عنابة، الدكتورة حسينة بوشيخ أنّ “فتح تخصّصات نوعيّة في العديد من الجامعات دون مراعاة الإمكانات البيداغوجية المتاحة، أو فتح تخصصات أخرى لا تنسجم مع متطلّبات سوق العمل والتطور الحاصل في المجتمع، أدى إلى توجيه العديد من الطلبة إلى تخصصات لا يرغبون في دراستها، ما انعكس سلبا على تحصيلهم الدراسي أو دفع بعضهم إلى تجميد تسجيله أو حتى التّخلي عن الدراسة، فيما لجأ البعض الآخر إلى اجتياز البكالوريا مرات عديدة لرفع معدله”.

وأفادت الدكتورة حسينة بوشيخ في تصريح لـ«الأيام نيوز» أن “إصلاح نظام التوجيه مرتبط بإصلاح على مستوى قواعد التكوين وفروعه، حيث ينبغي مراعاة حاجة المجتمع والاقتصاد الوطني وسوق العمل، والتوازن بين التخصصات، خاصة في الشعب الإنسانية والاجتماعية”.

وأشارت المتحدثة إلى أن “العديد من الذين يوجّهون إلى شعبة العلوم الإنسانية مثلا، لم تكن هي خيارهم الأول، كما أنّ تفرعاتها لا تلبي أيضا رغباتهم، فتجد أنّ الآلاف منهم يختارون في السنة الثانية شعبة علوم الإعلام والاتصال على اعتبار أنه يتم الترويج لها بكونها الأفضل، مقابل العزوف عن تخصصات مثل علم المكتبات وغيره، وكذلك الأمر بالنسبة للعلوم الاجتماعية، حيث لا تحظى تخصصات مثل التاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع بالإقبال الكبير”. 

التسجيلات الجامعية ستكون إلكترونية بحتة

هذا، وكان وزير التعليم العالي والبحث العلمي، كمال بداري، قد أعلن ـ يوم السبت ـ أن التسجيلات الجامعية لحاملي البكالوريا الجدد ستكون إلكترونية بشكل بحت، من خلال تعاون مصالحه مع مصالح وزارتي التربية الوطنية ووزارة الداخلية للحصول على البيانات المتعلقة بالناجحين الجدد.

وأبرز بداري في ندوة صحفية تحت عنوان: “مستجدات التسجيل الجامعي الجديد”، أن سياسة صفر ورق بلغت مرحلة “جد متقدمة” ستتجلى في التسجيلات الجامعية المقبلة لحاملي البكالوريا الجدد، حيث “ستتم إلكترونيا بالتنسيق مع الوزارات المعنية، ليتم تسليم الطالب الجديد بطاقة التسجيل والشهادة المدرسية إلكترونيا”.

وأضاف الوزير أن “هذه السياسة ـ ذاتها ـ ستمس خدمات النقل والإطعام والإيواء، مرفوقة بعملية رقمنة الولوج للمرافق البيداغوجية والإقامات الجامعية وكذا الاستفادة من الوجبات، بغية بلوغ الحوكمة الرقمية التي راهنت عليها مصالحه والذي تم الانتهاء منها قبل سنة ونصف من الموعد النهائي”.

وبالمناسبة، تم إطلاق تطبيق البوابة الإلكترونية للخدمات الرقمية (E-services mesrs dz)، والتي تقدم 54 خدمة، فضلا عن أنها متصلة بالمنصات الـ46 التي أطلقها القطاع على مدار الموسم الجامعي 2022-2023. وتوفّر المنصة خدمات للفئات الثلاث الأساتذة والطلبة والإدارة.

وبالعودة إلى الدخول الجامعي المقبل، أكد بداري أن “كل المؤسسات الجامعية مستعدة لاستقبال الطلبة الجدد”، محددا هدف القطاع حاليا بالتوجيه الصحيح والأنسب لحاملي البكالوريا الجدد وفقا لمهاراتهم ورغباتهم.

أما بخصوص توسيع التدريس بالإنكليزية، اعتبر أن “الوضع العلمي والبيداغوجي يستدعي تعزيز اكتساب الطلبة الجزائريين لهذه اللغة ليكون المتخرج متفتحا على مختلف اللغات الحية”.

وأفاد أن العملية جاءت بعد تكوين المكونين الذي وازن بين استحداث منصة خاصة لتكوين الأساتذة وبين التكوين على مستوى المراكز، ليليه حاليا تحضير حاملي البكالوريا الجدد عبر “منصة خاصة تفتح بداية من 20 جويلية إلى غاية 20 سبتمبر كفرصة لتعزيز لغتهم الإنكليزية”، مشيرا إلى أن المنصة “تبقى غير إلزامية”.

من جهة أخرى، استعرض الوزير المستجدات التي سيعرفها الموسم الجامعي 2023-2024، على غرار “اللجوء إلى احتساب المعدل العام للبكالوريا في حالة لم يمكن المعدل الموزون للطالب من تحصيل التخصص الذي يرغبه، وهو ما يرفع من نسبة تلبية الرغبات”.

بشأن عروض التكوين

كما تتضمن عروض التكوين المؤهلة “104 نقاط تكوين ضمن مسار الليسانس و235 نقطة تكوين ضمن مسار الماستر، إلى جانب توسعة الشبكة الجامعية، سيما القطب العلمي والتكنولوجي بسيدي عبد الله عن طريق استحداث مدرستين وطنيتين عاليتين في تكنولوجيا النانو وكذا الأنظمة المستقلة”.

وفيما يتعلّق بتدعيم عروض التكوين فتشمل “تدعيم شبكة المدارس العليا للأساتذة بإنشاء مدرسة بولاية سعيدة، وإدراج 6 نقاط تكوين عن بعد، و6 مسارات تكوين في إطار الشهادة المزدوجة، واستحداث 5 نقاط تكوين في الصيدلة، و7 نقاط تكوين في علوم البيطرة، واستحداث 14 ملحقة للطب، ناهيك عن استحداث 7 نقاط تكوين أستاذ تعليم ابتدائي في التربية الرياضية و8 نقاط تكوين أستاذ تعليم ابتدائي في اللغة الإنكليزية”.

كما تتوفر عروض التكوين على “استحداث 40 نقطة تكوين مهندس في العلوم الفلاحية، و3 نقاط تكوين في التعليم المشترك للمهندس في العلوم والتكنولوجيا، واستحداث 4 نقاط تكوين في التعليم المشترك للمهندس في الإعلام الآلي، و42 نقطة تكوين في المسارات المخصصة حصريا لحاملي شهادة البكالوريا شعبة تقني رياضي”.

منير بن دادي

منير بن دادي

منير بن دادي

اقرأ أيضا