ناقد جزائري يزيل الجانب الهلامي عن شاشة «السينما الشعرية»

يغدو الشعر مجرّد تهويمات لغوية حين يفشل في صناعة صورة شعرية تحرّك خيال المتلقي عبر جملة مؤثرات منها الإيقاع الذي تتخذه الجملة في القصيدة مدعوما بقوة وخفة الكلمات بما يتناسب مع المعنى المراد إضاءته، إلى جانب ما يعرف بالمجاز والإيحاء والتشبيه وما إلى ذلك، وبالمقابل فإن الصورة السينمائية ـ بعناصرها المعروفة (كالظل والنور، والحركة، وحجم الإطار وزوايا النظر…) ـ تغدو مجرد لقطات متتابعة عاجزة عن قول أي شي للمتلقي، وهنا تكمن المفارقة بين الشعر الذي يستخدم اللغة لتشكيل صورة وبين الصورة السينمائية التي تتكلم دون لغة، وقد تتكلم بروح من الشعرية وهو الموضوع الذي طرقه الناقد السينمائي الجزائري عبد الكريم قادري في كتاب جديد صدر له حديثا.

وجاء كتاب «عبد الكريم قادري»: «السينما الشعرية، أسئلة البناء والدلالة»، ضمن «السلسلة المعرفية» التي أصدرها ـ بالتعاون مع دار «رشم» مهرجان أفلام السعودية وقد اختار القائمون عليه موضوع «السينما الشعرية» محورًا في دورته الثامنة المنتظر انطلاقها الخميس المقبل 2 يونيو/ حزيران، وتتضمن فعالياتها ـ إلى جانب عرض 69 فيلما ـ أربع ندوات حوارية يُسلط الضوء فيها على تيار صناع الدهشة بصريا.

فرغم مرور أكثر من قرن وربع قرن على ولادة السينما، غير أن هذا الفن لا يزال حديث النشأة بالمقارنة مع باقي الفنون والآداب الأخرى، ولهذا يجتهد الباحثون والنقّاد المشتغلون في هذا المجال لاكتشاف العديد من جوانب وعناصر بنائه المختلفة، وقد يكون من حظ الجزائر أن عبد الكريم قادري هو أحد المجتهدين ضمن هذا المسعى، بمقالات ودراسات سينمائية تُنشر في الكثير من المجلات والجرائد والمواقع الدولية، بالإضافة إلى كتابه الجديد هذا.

ويشير «قادري» ـ في بيان صحفي حول كتابه ـ أن “فن السينما لم يجد بعد مدوّنة نقدية تستخرج جمالياته الظاهرة والخفية”، كما لم يعثر على “آليات تفكّك عناصره وتعيد تركيبها كما ينبغي”، لتتيح القدر المطلوب من الفهم لفائدة المتلقّي الراغب في تحقيق المتعة القصوى التي يصبو لها، ورغم هذه المسايرة غير المكتملة، غير أن هناك بعض الدراسات التي استطاعت أن تواكب جوانب من هذا الفن وتحللها وفقا للسياق المعرفي، لكنْ ـ وهذا ما يؤكده «قادري» ـ “يبقى هذا الجهد غير كاف، نظرا لما وصلت إليه السينما حاليا، وما أصبح عليه تأثير الفيلم بين الجمهور.

شعرية مفلتة عن الأطر والقوالب

وحول إمكانية ضبط مفهوم «الشعرية» في السينما ضمن سياق نقدي جازم ـ تشير الكلمة المنشورة على ظهر الغلاف ـ أن ذلك أمرا صعبا ، إذ لا يمكن “حصرها ضمن قاعدة أو قالب معين”، “لأنها هلامية بلا شكل قار، وانسيابية مثل جدول يشق منحدرا، متقلبة ومتغيرة ومتحركة حسب كل حركة أو تيار سينمائي، فكل فئة تقرأها أو تفسرها أو توظفها انطلاقا من حسها الجمالي ومنطلقها الفكري وسياقها الزامكاني، لكن الجميع وإن اختلفوا في التفاصيل، فإنهم اتفقوا على جماليتها الطاغية ونقاء مشاهدها وقربها من القلب ووجدان الإنسان.

غلاف كتاب السينما الشعرية، أسئلة البناء والدلالة

وجاء في كلمة الناشر أيضا أن «الشعرية» “تملك القدرة السحرية على التسلل إلى ذائقة المُتلقي دون أن تدق بابه وتستقر في أعماقه لتصبح جزءًا من ذاكرته، بعد أن تنقش على جدران عواطفه منحوتات لا تُمحى ولا يُغيرها الزمن، لتبقى وثيقة بصرية تضبط حلما كان يراوده فتحقق له، أو أمنية بصرية أُعيد تشكيلها من جديد ليراها تتراقص أمامه”.

“هي تلك الريشة التي يداعب بها الفنان لوحته البيضاء” ـ يضيف الناشر ـ “وتلك الكلمات التي يسوقها الشاعر ليعبر بها عن حالة وجدانية، وتلك الأوتار التي يخلق بها الملحن ما يبهج الأسماع، وتلك التنهيدة التي يخرجها المُشاهد فور خروجه من قاعة السينما،هي الريشة والكلمات والأوتار واللحن والتنهيدة، وكل الحالات التي تخلق الجمال الخالد الذي يحرك المياه الراكدة ويرسلها عبر الجداول والمجاري لتروي العالم وتساهم في نمائه”.

لقد ركّز كتاب «السينما الشعرية، أسئلة البناء والدلالة»، وبشكل واسع، على توظيف مصطلح «الشعرية» كمفهوم جمالي، والوقوف على انعكاساته في الفيلم، وهذا ما يبرر كل حديث عن موجودات «الكادر» السينمائي، وطرق ضبطه لتوليد الشعرية، دون تجاهل ذلك الاستئناس بالمنطلقات الفكرية والفلسفية التي تساهم في تأثيث حقول الرؤيا البصرية والمعنوية، إضافة إلى عناصر مهمة أخرى تساعد في توليد هذه الشعرية، مثل المونتاج والإيقاع والتصوير، وهي مرتكزات تجسد الشعرية، وتجعلها كقيمة جمالية وحضارية في الوقت ذاته.

تجربة تاركوفسكي

أما من الجانب التطبيقي، فتطرق عبد الكريم قادري في كتابه إلى “بعض التجارب المهمة التي عكست هذا المفهوم، من بينها تجربة أندريه تاركوفسكي الرائعة، وهو مخرج لم يكتف بتوظيف هذا التوجه في أفلامه فقط، بل نظّر إليه عن طريق الكتابة، ليصبح مع الوقت أعمق من جسّد مفهوم الشعرية”.

إضافة إلى ذلك يحتوي الكتاب على مقاطع تحليلية لبعض الأفلام المهمة من خلال باستخراج شعريتها، مثل أفلام: «نوستالجيا» و«المرآة» لـ«تاركفسكي»، و«عن الأبدية» لأندرسون، و«هلاوس» لكوروساوا، و«الختم السابع» لـ«إنغمار برغمان»، وهي نماذج سينمائية جسدت هذا المصطلح من الناحية الجمالية والمعرفية.

أندريه تاركوفسكي

ومعلوم أن «أندريه تاركوفسكي» هو مخرج روسي يعد الأشهر على الإطلاق، معروف بسريالية أعماله وشعريتها، ووصِف عموماً بالمخرج الطليعي، فيما مدح المخرج السويدي «إنغمار برغمان» أعماله، فقال بأنها «لغة جديدة».. لقد صنع أفلاماً أبهرت جمهور الشاشة الكبيرة؛ بفضل براعة استخدامه للتقنيات السينمائيّة، وسلاسة توظيفها لنقل الجانب الجمالي والروحاني في أعماله.

ويرى «تاركوفسكي» في الشعر فلسفة تضيء طريق الإنسان في حياته وتساعد الفنان ليصبح مبدعا للجمال الخاص الذي ينسب للشعراء فقط، كما وجد في المنطق الشعري التجلي الأكبر لإمكانات السينما بوصفها أكثر الأشكال الفنية صدقاً، ولم يوفّر «تاركوفسكي» جهداً لإيصال فلسفته عبر كل مشهد في أفلامه الطويلة السبعة، فكان خير وريث لتسعة دواوين خلّفها والده الذي كان شاعراًـ إذ أنه في أحد مشاهد فيلم Stalker نسمع واحدة من قصائد أبيه تتُلى؛ وكأن شعر أبيه كان ملهمه في صناعة السينما.

نحو إنهاء الجانب الهلامي

ويؤكد «قادري» أن «السينما الشعرية» “لم تذبل أزهارها مطلقا”، ولو أن هذا المصطلح غير مفهوم في المدونة النقدية العربية، ولهذا فإن كتابه جاء ليفصّل في هذا المصطلح ويسبر أعماقه واتجاهاته، انطلاقا من فلسفة أرسطو، ومرورا بالمناهج النقدية الغربية، وانتهاء بالترجمات والدراسات العربية التي اختلفت حوله، لأنه ـ وفق تفسير الكاتب ـ “مفهوم هلامي يصعب القبض عليه، متشظ ومتداخل، تتناسل منه العديد من المفاهيم الأخرى، مثل: «الشاعرية» و«البوطيقا» و«سينما الشعر» و«سينما القصيدة» وغيرها من المصطلحات التي تلتقي معه في جانب، وتختلف في جوانب أخرى، ولقد تم التطرق لها وتحليلها نقديا”.

ويُعرف عبد الكريم قادري، أنه كاتب وناقد سينمائي، حاضَرَ  وحكّم في العديد من مهرجانات السينما، من بينهما «أيام قرطاج السينمائية»، «مهرجان وجدة للفيلم المغاربي»، «مهرجان شرم الشيخ للسينما العربية والأوروبية»، «مهرجان الفيلم المتوّج»…إلخ.

وقد صدر له العديد من الكتب، من بينها: «سينما الشعر/ جدليّة اللغة والسيميولوجيا في السينما» عن منشورات المتوسط بإيطاليا 2016، و«سينما الرؤى/ قراءات ودراسات في السينما العربية» عن منشورات مهرجان وهران للفيلم العربي 2017.

فعاليات مهرجان أفلام السعودية

وتنطلق يوم الخميس 2 وإلى غاية 9 يونيو/ حزيران المقبل فعاليات الدورة الـ8 لمهرجان أفلام السعودية، الذي تنظمه جمعية السينما بالشراكة مع مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي «إثراء» بالظهران، بدعم من هيئة الأفلام التابعة لوزارة الثقافة بالمملكة، وتأتي هذه التظاهرة بمشاركة 69 فيلماً: منها 33 فيلماً في العروض الموازية، و28 فيلماً في مسابقة الأفلام القصيرة، و8 أفلام في مسابقة الأفلام الطويلة.

مهرجان أفلام السعودية

والأفلام الـ8 التي تشارك في مسابقة الأفلام الطويلة هي: «قبل أن ننسى»، و«جنون»، و«كيان»، و«حياة امرأة»، و«زبانية الوقت الضائع»، و«خلني ساكت»، و«قرقيعان»، و«قوارير».

والأفلام التي تضمها مسابقة الأفلام القصيرة هي: «نور شمس»، و«أشياء ما قلتها»، و«أبو بشير»، و«الحذاء الذي يصغر كل ليله»، و«مسكون»، و«عروس البحر»، و«حلم صغير»، و«زوال»، و«وسط المسافة»، و«حُجَر»، و«ديار حسمى»، و«الوحش»، و«أرجيحة»، و«نافذة الحياة»، و«جوي»، و«حوض الأحلام»، و«الجره: حكاية أثر»، و«جمع مذكر تالف»، و«رقم هاتف قديم»، و«هذا العالم رائع»، و«واحد على أربعمية»، و«متلازمة البطن المسطح»، و«عثمان»، و«عز لمولانا السلطان»، و«شاي ورق»، و«دراعة»، و«من ذاكرة الشمال»، و«لاهث».

تتنافس هذه الأفلام على جائزة «النخلة الذهبية»، فيما استحدث المهرجان فئات جديدة من الجوائز، منها جائزة غازي القصيبي لأفضل نص عن رواية سعودية، إضافة إلى جائزة عبد الله المحيسن للفيلم الأول.

ويعرض المهرجان 33 فيلما ضمن برامجه الموازية، من بينها «المخادع المحترف»، و«الأرنب والسلحفاة»، و«من شجرتي»، و«حتى المغيب»، و«أرواح عابرة»، وتنظم المهرجان جمعية السينما، بالشراكة مع مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء)، وبدعم من هيئة الأفلام، واختيرت «السينما الشعرية» محوراً للدورة وهو الموضوع الذي طرقه الكاتب «عبد الكريم قادري» في إصداره الجديد.

ويكرم المهرجان هذا العام اسم السينمائي السعودي خليل بن إبراهيم الرواف (1895-2000) واسم المخرج والمنتج الكويتي خالد الصديق (1945-2021)، وكان مهرجان أفلام السعودية قد بدأ في 2008، قبل أن يتوقف ويعود ثانية في 2015، واستمر حتى 2017 ثم من 2019 إلى الآن.

علي مغازي - الجزائر

علي مغازي - الجزائر

كاتب صحفي في موقع الأيام نيوز

اقرأ أيضا