نصف عام من المذبحة.. “إسرائيل” تخسر وأمريكا أيضا!

في رسالة استقالتها من منصبها المرموق بوزارة الخارجية الأمريكية، دقّت مديرة مكتب قضايا حقوق الإنسان بالشرق الأوسط، “أنيل شيلين”، آخر مسمار في نعش عرش جو بايدن، حيث اختزلت رسالة استقالتها التي نشرتها  صحيفة “واشنطن بوست”، مأزق البيت الأبيض، نتيجة مواقفه وتموقعه مع الكيان الصهيوني، لتكون النهاية، ليست فقط غليان وثورة الشارع الأمريكي على خيارات قادته، ولكن شرخ أصاب منظومة الحكم داخل البيت الأبيض، بعد أن توالت  الاستقالات المندّدة بالسياسة الأمريكية تجاه ما حدث في غزة، وذلك منذ اليوم الأول لطوفان الأقصى، وما تداعى بعده على المستوى العالمي..

أنيل شيلين، برّرت رسالة استقالتها بقولها: “نظرا لعدم قدرتي على خدمة إدارة تسمح بهذه الفظـائع، فقد قرّرت الاستقالة.. أصبح الدفاع عن حقوق الإنسان مستحيلا”، وهي الرسالة المشابهة التي حملت نفس المعنى، عشية اندلاع العدوان الصهيوني على غزة، قبل ستة أشهر، حين رمى المسؤول الرفيع السابق في وزارة الخارجية الأمريكية “جوش بول”، استقالته في وجه إدارة جو بايدن، رافضا أن يكون جزءا من المذبحة الإنسانية المقترفة في حق المدنيين، والمهم في موجة “التمرد” التي طالت البيت الأبيض، أنّ أمريكا بايدن التي احتضنت ودعمت ودافعت ورمت كل أوراقها في حضن نتنياهو وكيانه الصهيوني، وقعت في مأزق جنت “براقش” على نفسها، والنتيجة أنّ قرارها الأخير بالتراجع إلى الوراء بحثا عن بقية ماء وجه، وذلك من خلال امتناعها، لأول مرة، عن رفع حق “الفيتو” في وجه مشروع قرار وقف إطلاق النار داخل مجلس الأمن، كان انسحابا من معركة، عرف العجوز جو بايدن، أنها خاسرة كما وكيفا، ليس فقط، لأنّ المجتمع الدولي كلّه اصطف ضدها، ولكن لأنّ صمود غزة، وكذا “غزوة” اليمن في مشارف البحر الأحمر، أخلطا كل أوراق المؤامرة الصهيونية، كما أنهيا أي حلم لأمريكا في تحقيق نصر لـ”إسرائيل” على حساب الواقع الذي كان طوفانا في غزة و”غرقا” في بحر اليمن..

أمريكا التي لم ترفع لأول مرة في تاريخ تآمرها مع “إسرائيل”، حق الفيتو في وجه قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار، لم تفعل ذلك عن قناعة أو تعاطف مع العزل والمدنيين، كما أنّ تصفيق ممثلتها في مجلس الأمن على “القرار”، ليس هدية لغزة، وإنما كان “الحق”، الذي افتكته المقاومة  غصبا، من تحت حوافر الثور الأمريكي والعجل السامري، فالقصة برمتها، مقاومة فرضت منطقها ورؤيتها على الخنوع العربي ممثلا في أنظمة العار والتطبيع وكذا على “مؤامرة” البيت الأبيض والحكومات الغربية، التي كانت ملاذا للإبادة الصهيونية وحصنا لها من أي تحرك دولي، فإذا بالدائرة تدور وإذا بملاحم الرجال، لا تنتصر فقط على أرض غزة، ولكن داخل منظومة الشيطان العالمية المسماة هيئات أممية، كانت لوقت قريب قلاعا للصهيونية ومصدر قراراتها، فإذا بصوت الحقيقة يفرض منطقه وقوته، ليرسخ في العالم، أنه حتى أمريكا، وليست “إسرائيل” فقط، يمكنها أن تهزم وتعود خائبة من ساحة معركة، ظلت تتوهم أنها تتحكم فيها وتدير أحداثها..

السؤال المعلّق هنا: هل تخلّت أمريكا عن نتنياهو أم عن مشروع “إسرائيل”، ككيان دموي، كان قبضتها التي تتحكم بها في الشرق الأوسط؟، والإجابة البسيطة في هكذا صراخ صهيوني، صدر عن عَرّاب مسمى الربيع العربي “برنار ليفي”، وهو المفكر اليهودي المعروف بلعبة المؤامرات وبحقده التاريخي على كل ما يرمز للعروبة وللإسلام، قلنا الإجابة البسيطة، أنّ المسمى “برنار ليفي”، كتب مقالا مطوّلا يشرح فيه نكبة “إسرائيل”، متسائلا، إن كانت أمريكا قد تخلّت عنها،  معتبرا في ذات المنوال، أنّ خسارة “إسرائيل” تعني بالضرورة خسارة أمريكا.

والمهم، في الصراخ والتباكي الصهيونيين، أنّ أمريكا ومن خلال المتحدث باسم البيت الأبيض جون كيربي، أرادات أن تلملم يدها المغلولة وعجزها على مواصلة التأييد المطلق لـ”إسرائيل”، بالتقليل من شأن رفضها رفع حق الفيتو ضد قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار، بتصريح “جون كيربي” بأنّ ذلك القرار غير ملزم، ولا تأثير له على “إسرائيل” ولا على موقف أمريكا الثابت من الوقوف الدائم مع الكيان الصهيوني، لكن الحقيقة المطلقة والثابتة، أنّ قرار مجلس الأمن، كان الضربة التي لم تقصم ظهر نتنياهو فقط ولكنها قصمت ظهر منظومة جو بايدن و”عصابة” البيت الأبيض، وخاصة أنّ القرار تلاه استقالة مديرة مكتب قضايا حقوق الإنسان بالشرق الأوسط، “أنيل شيلين”، وكذا تعالي أصوات من داخل الكونغرس الأمريكي، منادية بمراجعة انبطاح البيت الأبيض للوبيات الصهيونية في أمريكا وكذا دراسة العلاقات التي أدت بأمريكا لأن تكون “خاتما” في أصبع الكيان الصهيوني يديره نتنياهو من “تل أبيب” كيفما يشاء، وهو الأمر الذي يعتبر انقلابا حقيقيا، مسّ هرم “الوعي” الأمريكي، للبحث عن مخرج أمريكا  الأسيرة و”التابعة” والخاضعة لإملاءات وقرارات الصهيونية العالمية..

“الصحوة” الأمريكية المتأخرة، إن صح التعبير، ما كان لها أن تصل إلى قمة القرار داخل البيت الأبيض لولا قناعة إدارة “بايدن”، أنّ معركة “غزة” أسقطت البعبع الصهيوني، ليس فقط كحكومة يديرها نتنياهو “مجنون”، ولكن كمشروع استثمرت في “تجذيره” الماسونية لقرون داخل جسد الأمة العربية، لتجرفه ملحمة طوفان مدتها 6 ساعات، كانت كافية لتعيد “إسرائيل” إلى شتاتها الطبيعي، ليس فقط كمنظومة حكم هجينة، ولكن كمشروع معولم، استنفذ كل وجود له وكل معنى في مستنقع غزة وفي “غرق” اليمن..

ما يثبت أنّ الهزيمة، كانت أكبر من أيّ ترقيع، كما أنّ القادم لن يكون إلا عملية “تصفية” للشركاء العالميين لكيانهم “المفلس”، هي اعترافات من داخل البيت اليهودي، سواء على المستوى السياسي أو الإعلامي، ولعلّ أكبر انكسار مسّ البنية الصهيونية في العمق، هو ما صدر عن صحيفة هآرتس مؤخرا من طرف “أوري مشغاف”، حيث اختزل كاتب المقال، الحقيقة المطلقة في عبارة: “استفيقوا من الصدمة، هذه أفشل حرب في تاريخ “إسرائيل”، ليواصل قائلا: “مرّ نحو نصف عام، “إسرائيل” مهزومة ومحبطة ومعزولة وعلى حافة الإفلاس، وهي الآن في صراع عميق مع أمريكا وأفضل شركائها. شكرا بيبي، أنت أكبر مجرم في تاريخ الشعب اليهودي وبلاده”.

والمحصلة، التي تكشف مخاوف نخبة المشروع الصهيوني، أنّ القضية لم تعد في خسارة نتنياهو  أو “بيبي” كما يسميه جو بايدن، وحتى محاكمته كمجرم حرب، ولكن في انهيار مشروع “إسرائيل”، فقد كانت تكفي مدة نصف عام من غباء نتنياهو، لكي تنهار “إسرائيل”، ليس أمام  صمود غزة فقط ولكن أمام العالم وأمام أمريكا الحليفة بالذات، وهو ما تناولته جريدة “شبيغل” الألمانية، حين لفتت النظر إلى مشهد سفيرة واشنطن الأمريكية لدى الأمم المتحدة “ليندا توماس”، وهي تصفّق بعد اعتماد قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار بغزة، حيث تجاوز الأمر بالنسبة على “إسرائيل”، ليس فقط امتناع أمريكا عن رفع حق الفيتو في وجه القرار، ولكن فرحة حتى  سفيرة أمريكا بذلك، فرحة جسّدتها في “تصفيق”، لفت أنظار الإعلام، كما رسّخ، حقيقة التراجع، إن لم نقل انقلاب أمريكا على دعمها اللامشروط للكيان الصهيوني، طيلة نصف عام من الإبادة.

ومجمل القول ومنتهاه، أنّ المأزق الأمريكي اليوم، لم يعد مع ما جناه نتنياهو على نفسه وعلى أمريكا ولكن على مستقبل الكيان الصهيوني، كمشروع “دويلة”، استنفذت كل ما لديها من وجود، فـ”إسرائيل”، لم تفقد هيبة “القوة” فقط ولكنها فقدت، عند أصاحبها وحلفائها أنفسهم، مشروعية الاستمرار كمسمّى “دويلة”، بعد أن أظهرتها تداعيات طوفان الأقصى كعصابة “قطاع” طرق، لا قانون دولي يحكمها ولا أعراف أخلاقية أو دينية تغفر لها، كما أنّها كمنظومة عسكرية، يمكنها أن تواصل مهام حروب الوكالة عن المصالح الأمريكية والغربية، انتهت، وذلك باعتراف حتى  البروفيسور اليهودي “يغيل ليفي”، الذي أعلن ليس نهاية نتنياهو ولكن “إسرائيل” بقوله: “جيشنا في حالة انهيارٍ تام، وطالما استمرت الحرب فمن المستحيل إعادة ترميمه وتأهيله”.

وهو نفس الأمر الذي أقرّته كل التحليلات والدراسات، على أنّ النهاية الآن، ليست حكومة إسرائيلية، يتم تغييرها لترقيع الهزيمة، ولكنها “إسرائيل” ذاتها، ككيان ومكوّن ومشروع غربي أمريكي، وطبعا من وقّع قرار التشييع والدفن، ليس إلا غزة في البر و”يمن” كان هو البحر مواقفا ورجالا وصمودا..

أسامة وحيد - الجزائر

أسامة وحيد - الجزائر

اقرأ أيضا