نفوق عرّاب “السُّوبر باور” بعد قرن من المَكر والتّسميم.. نهاية كيسنجر.. وانتهاء أمريكا!

من المتعارف عليه في سجلات التاريخ، المكتوب بيراع الحقيقة وليسن بمداد المنتصرين، أن الرجال يرحلون لكنه الأثر وحده ما يبقى “وشمًا” يخلد أفضال ومواقف الرجال، كما أنه من الثابت في عرف التجارب ودورة الزمن والأجيال أنه لا يمكنك أن تفهم الحاضر وحتى القادم ما لم تستنبطه من جذوره التاريخية النشأة والسّقي، لذلك فكل حاضر امتداد وأسير ماضيه، وأي أمة تُغيب تلك البديهية فإنه لا يوم لها ولا غد مرتقب.

ذات نوفمبر من عام 1973، كانت أنفاس العالم كله مشدودة بساحة مطار نزل به كهل أمريكي ببدلة ونظرات سوداء، يحاول من خلالهما أن يظهر عظمة الدولة التي يمثلها وخطورة المرحلة التي دفعته لأن يهرع من نيويورك إلى حيث خيمة عجوز بدوي كان يلتحف فوق رأسه عمامة أمة، فيما خطواته وهو يتقدم باتجاه ضيفه، خطوات الواثق مما يفعل ويريد ويحمل من هموم أمة لم يعد معها يخشى خسارة أي شيء، إلا أن يكتب في سجله أنه جَبُن عن نصرة أمته في لحظتها الفارقة، التي لم تكن تقبل إلا واحد من خيارين، فإما أن يَكْتُب  صاحبها التاريخ وإلا فليخرج من نافذته” مركولا ” بلا أثر ولا قيمة ولا مقام.

الضيف الأمريكي المهم، وأمام رهبة الموقف وصوت خطوات  العجوز التي سبقتها شخصية وتكوين بدوي، كان يؤمن أنه عاش وأجداده على اللبن والتمر، كما أنه ليست لديه مشكلة أن يعود إليهما، ذلك الضيف المهم الذي نزل بمطار جدة، لم يكن ساعتها، إلا ثعلب أمريكا الدبلوماسي، هنري كيسنجر؛ الهالك مؤخرا بعد قرن من تسميم الأمة العربية والإسلامية، أراد يومها من عام 1973 أن يداعب تجهم وجه البدوي الذي استقبله بالمطار، وذلك بعبارة ساخرة حتى يتجاوز لحظات التوتر التي رآها في عيني عجوز المطار، ليخاطبه بقوله: “إن طائرتي تقف هامدةً في المطار، بسبب نفاد الوقود. فهل تأمرون جلالتكم بتموينها، وأنا مستعد للدفع بالأسعار الحرة”.

وعكس ما كان بتوقعه كيسنجر من مضيفه متجهم الوجه، فإن الملك “فيصل” لم يبتسم بل رفع رأسه في شموخ العمامة التي يضع وبداوة التمر واللبن التي يعيش، ليقول لضيفه:”أنا رجل طاعن في السن وأمنيتي أن أصلي ركعتين في المسجد الأقصى قبل أن أموت، فهل تساعدني في تحقيق هذه الأمنية”.

لحظتها، فهم هنري كيسنجر – كما فهم العالم وسجل التاريخ – أنه من البلادة أن تتوقع أن كل ملوك وحكام العرب يترقبون نكتة من أمريكا أو ابتسامة من الغرب ليقايضوا أمهات القضايا ومصالح الأمة وأراضيها في صفقات البقاء والبغاء بالعروش العربية.

والمهم أنه كان يجب أن نعود لصفحات التاريخ لنقرأ منها كيف كان الرجال “فيصلا” بين الحق والباطل، بين الأمة والعرش، كما نفهم أن “نفوق” وهلاك بطل الواقعة إياها هنري كيسنجر، قبل أيام، وذلك بالتوازي مع الغرق الأمريكي في مستنقع غزة، ليس إلا “نفوق” قرّن من لعبة “عَرّاب” صهيونية، كان مجسدا في عمر هنري كيسنجر الذي وافته نهايته منذ يومين عن عمر يناهز القرن من خدمة المشروع الصهيوني، والذي ختمه سنة 2012 بإعلانه الصريح عن المخطط الأمريكي الصهيوني، الذي لن يتحقق إلا بتفكيك واحتلال 7 دول عربية على رأسها كل من العراق وسوريا وليبيا ومصر ناهيك عن إيران كدولة إسلامية اعتبرها كيسنجر حجرة عثر في تنفيذ المشروع والأصح المخطط المدروس، وكل ذلك لما أسماه في حواره الذي تناقلته كل وكالات الأنباء العالمية، باللحظة التاريخية الفارقة التي ينتظرها ويتمنى أن يعيشها بخلق مجتمع عالمي جديد  ليس فيه إلا قوة واحدة وحكومة واحدة هي الحكومة العالمية أو «السوبر باور»، ليختم “الهالك” اعترافه ذلك بأن حلمه لن يتحقق إلا بقيام “إسرائيل” بقتل أكبر عدد من العرب وذلك بكل ما أوتيت من قوة وسلاح ثم احتلال نصف الشرق الأوسط مُذَيّلا كل ما سبق  من اعتراف بقوله: “إن طبول الحرب تدق الآن في الشرق الأوسط وبقوة ومن لا يسمعها فهو بكل تأكيد أصم”.

وفعلا، لم يكن هنالك من أصم وأعمى كذلك إلا الأمة العربية  أنظمة وشعوبا، فرغم أن كل مخططات وإستراتيجيات ومشاريع الإبادة والتصفية العرقية، سواء تحت مسمى حروب الثروة أو الحرب الصليبية، كانت واضحة وعمرها من عمر و”قرن” كيسنجر، إلا أنها العمالة والخيانة والخذلان ما أعمت بصائر الأنظمة والحكام العرب ولا تزال، فرحمة الله على “فيصل” لم تخدعه نكتة هنري كيسنجر في مطار هو اليوم يعج بالراقصين والمثليين وثقافة هز البطن والوسط والخصر ولو كان  أبطالهم كلابا في مهرجان النباح البن سلماني، وما هو من قيم ومقام بأرض حرمين كانت هي فيصل وما أدراك ما نخوة الرجال حين كانوا هم مفاصل الأمة وسر وجودها.

نهاية كيسنجر وانتهاء أمريكا!

حين نعلم أن الغرب لا يعترف بمسمى الحظ الجيد ولكنه المخطط الجيد فقط ما يؤطر وجودهم، سنفهم أن المآل الذي رست عليه حالُ الأمة العربية ليس لعبة حظ ، كما يتوهم حكامنا، ولكنها إستراتيجيات مدروسة على مدار سنوات من التخطيط والاستمرارية والمرحلية في التنفيذ والتجسيد، لذلك فإن هنري كيسنجر ليس إلا صورة لمشروع تهويدي، تداولت على تجسيده مؤسسات ولوبيات ومخابر وأشخاص، كلهم في نهاية الأمر  كيسنجر حتى وإن اعتزل وغادر السلطة، فالثبات كان ولا يزال عندهم استمرارية مشاريع وليس استمرارية حكام أو أنظمة، ومن كيسنجر إلى بوش فأوباما وترامب وبايدن ومن يليه ويليهم، فإنها المؤسسات التي  تواصل حماية المشاريع والمحافظ على استمراريتها تحت أي ظرف كان. وبعبارة أدق، هي المخططات الجيدة وليست لعبة الحظ أو الأهواء من تحافظ على قوة الدول ومكانتها، وذلك مالم تفهمه لعبة عروش الخم العربي التي لا سلطان لها إلا أحكام الأهواء وولاء وبيعة “عاش الملك مات الملك”.

مات “عَرّاب” قرّن من الخراب العربي قبل أن يحقق أمنيته فيما أراده لحظته التاريخية التي يرى فيها تحقق حلم إمبراطورية  تلمود حدوده من النهر إلى البحر، ومن المفارقات القدرية العجيبة، أن نكسة “نفوقه” تزامنت وقبره مع صدمة أن الكيان الصهيوني الذي استثمر عمره و”قرنه” كله في تثبيته بخاصرة الأمة العربية، أسقطه رجال مقاومة رغم قلتهم ورغم تأمر العالم بعربه وعجمه عليهم، إلا أنهم من “غزتهم”  الصامدة كانت “عزة”  أمة ونهاية  أسطورة جيش لا يقهر، ولكنه “قُهِر” ومُرِّغ أنفه وأنف أمريكا وبايدن وكيسنجر في التراب، والسؤال المعلق إلى حين، كيسنجر انتهى فماذا عن نهاية أمريكا؟

غزة.. ونهاية أمريكا في الوحل!

من يتابع التطورات الأخيرة في ساحة غزة، سواء على مستواها العسكري أو حراكها السياسي العالمي، سيصل إلى قناعة ثابتة، أنه ليس وحده رهط نتنياهو من غرق في المستنقع ولكنها أمريكا بايدن تعاني من لعبة الوحل التي جرتها إليها  إستراتيجية التلمود وأوهام الثأر والانتقام والانتصار لـ “إسرائيل” على حساب الأخلاق والإنسانية وحتى على حساب ما يسمى حضاراتها؛  لتكون الصدمة أن  التورط في غزة بكل ذلك الثقل السياسي والعسكري جرّها إلى لعبة وحل لا رجوع ولا خروج منها، وذلك سواء على مستواها الداخلي أو الخارجي، حيث ضمير الشعوب استيقظ ولم يعد هنالك مجال لروايات سينمائية أخرى، حول مزاعم خطر الإرهاب الإسلامي، الذي ظهر وجهه الحقيقي في جثث المنديين تحت أنقاض غزة، حيث القصف كما السيف الحديدي تلمود وحقد وعجل يرفس من أغوار السنين.

ما يؤكد نظرية الوحل الأمريكي هي الخلافات الحادة التي كشفتها وسائل إعلام إسرائيلية مؤخرا بين جون كيري وزيرخارجية أمريكا وقادة الجيش الإسرائيلي،  وذلك خلال اجتماع مجلس الحرب في “تل أبيب”، حيث جون كيري الذي فاخر بيهوديته في بداية الحملة، تذكر منصبه الوزاري بعد أن غرق برفقة جون بايدن في مستنقع غزة، ليثور على نتنياهو وقادة جيشه متهما إياهم بخداعه بعد أن خذلوه فيما كان يعتبره حرب خاطفة تنتهي المقاومة وتنقذ الأسرى، فإذا بصمود المقاومة ينهي الوهم الأمريكي ويصبح الهدف الأول كيفية حفظ ماء الخروج من الوحل، وخاصة مع الضغوط الشعبية بأمريكا والعالم كله، والنهاية أَنّ دبت الخلافات  بين الطرفين، بعد نهاية “الهدنة” وما كسبته المقاومة من صفقة تبادل الأسرى، التي عرّت كل ما تبقى من بهتان الكيان الصهيوني ومن يقف وراءه منتصرا لروايته الخرافية، فالمقاومة ليست فئة من الوحوش ولكنهم شعب يدافع عن حريته ودينه وأرضه، وكل ذلك مع مراعاة كل الحدود الأخلاقية والإنسانية التي لم تراعها طائرات القصف الصهيوني ولا اساطيل أمريكا الراسية على شواطئ المذبحة..

نهاية الكلام، ما كان يعتبره هنري كيسنجر مرحلة قوة فارقة، تكون فيها القوة العالمية هي أمريكا عبر حكومة ومجتمع عالميين ليس لهما من سيد إلا البيت الأبيض، فيما الأداة هي الكيان الصهيوني انتهت – أي تلك المرحلة – إلى واقعة مطار قال فيه عجوز بدوي لكيسنجر هالك: إنه ليس لديه مشكلة في أن يعود لزمن التمر واللبن، مقابل أن يستعيد أرضه، وهو حال غزة بتمر ولبن مقاومتها التي أعادت حلم الصلاة في المسجد الأقصى لذلك العجوز الفيصل – رحمة الله عليه – والذي كان يدري أن جنود التمر واللبن قادمون وهاهم.. صامدون وثابتون ومرابطون، كما أن صلاته على سجادة الأقصى حقيقة ثابتة حتى وهو من الغابرين.

أسامة وحيد - الجزائر

أسامة وحيد - الجزائر

اقرأ أيضا