هذا هو طريق الاستقلال.. طوفان الأقصى يسأل وثورة نوفمبر تجيب

يشير الكثير ممن ينتقدون المقاومة الفلسطينية – لدوافع خفية – إلى أنّ معركة طوفان الأقصى التي شنتها على العدو الصهيوني أدّت إلى استشهاد الآلاف. غير أنّ هؤلاء يتغافلون عن حقيقة تاريخية مفادها أنّ الجزائر، التي تحتفل بالذكرى الثانية والستين لاستقلالها يوم الجمعة 5 جويلية 2024، قد ضحت بملايين الأرواح لتحقيق نصرها الكامل. لذا، ليس من المستغرب أن تكون الثورة الجزائرية مصدر الإلهام الأول للمقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال، مستندة إلى المبدأ القائل: “ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة”.

=== أعدّ الملف: حميد سعدون – سهام سوماتي – منير بن دادي ===

ينظر الآباء الجزائريون – ممن عايشوا فرحة الاستقلال – إلى تاريخ 5 جويلية 1962، على أنه يوم الانتصار التاريخي الذي حقّقته الجزائر بعد عقود طويلة من النضال والكفاح ضد أكبر قوة استعمارية في العالم آنذاك.

لقد كان هذا الحدث حلما بعيد المنال للكثير من الجزائريين، بالنظر لما عايشوه من استبداد وقهر وظلم، ليصبح الخامس جويلية 1962 انطلاقة لحياة جديدة ارتسمت فيها نشوة الانتصار والأمل وإرادة العيش في كنف الكرامة والاستقلال الكامل والازدهار.

ولو أنّ الجزائريين انخرطوا في حسابات حول احتمال ارتفاع أعداد الشهداء لبقوا إلى اليوم يكابدون ذل الاستعمار الغاشم، لكنهم، قرّروا في لحظة تاريخية إعلان ثورتهم، وعلى هذا المنوال سار الفلسطينيون حين أعلنوا ثورة “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر 2023، ولا يزالون إلى اليوم يحققون انتصارات تاريخية على كل المستويات.

وقال الخبير في الشؤون الإستراتيجية، الدكتور أحمد ميزاب، في مداخلة حول “الحفاظ على ذاكرة الجزائر” إنّ الثورة التحريرية كانت “محطة مفصلية وأساسية في تحرير الأرض واسترجاع السيادة الوطنية”، معتبرا أن “الدور الحقيقي لثورة نوفمبر 1954 هو بناء وإثبات الذات وجعل الجزائر دولة قوية متماسكة من خلال بناء المجتمع والمؤسسات والحضور القوي في الساحة الدولية والإقليمية والعربية”.

ففي ندوة بعنوان “ملحمة شعب صنع تاريخ أمة”، بمناسبة الاحتفاء بالذكرى الـ62 لعيد الاستقلال، ذكر الدكتور ميزاب – يوم الثلاثاء 2 جويلية – بالجهود الدبلوماسية للجزائر في إطار الوساطات وتسوية الأزمات والمشاركة في الحروب العربية ضد الكيان الصهيوني وكذا طرد نظام “الأبارتيد” وإثبات للقضية الفلسطينية.

وقبل ذلك، أكد وزير المجاهدين وذوي الحقوق، العيد ربيقة، أنّ “ذكرى الشهداء الأبرار والمجاهدين الأخيار ستظل حية وحاضرة في ذاكرة الأجيال”، مشددا على ضرورة الحفاظ على الذاكرة والوحدة الوطنية وتعميق الانتماء للوطن، مضيفا أنه في “هذا اليوم الذي نعلي فيه من قيم التضحية والفداء وحب الوطن، نرفع آيات التكريم والعرفان والإجلال لشهدائنا الأخيار الذين سطروا بدمائهم ملحمة الكرامة والعزة”.

وأشار إلى أنّ عيد الاستقلال هو “يوم تاريخي وتتويج رائع لملحمة الأمة” و”لجهاد ما يزيد عن قرن وربع القرن”، كما أنه “مشروع لمستقبل واعد ومعبر لآفاق تتجدد فيها الطموحات”، مشددا على أن الجزائر اليوم “تسير على ذات الدرب القويم، منتهجة مسارا جديدا، رفعت فيه التحديات وكسبت رهاناته في كل الميادين”.

وفي فيفري 2024، أكد ممثل حركة المقاومة الإسلامية “حماس” بالجزائر، يوسف حمدان، أنّ معركة “طوفان الأقصى”، جاءت لتكتب صفحة جديدة من صفحات المقاومة الفلسطينية والتي “ستظل شاهدة للجيل القادم على ما فعلنا وما سنفعل”، مضيفا أن الكيان الصهيوني “ضرب في مساحة، ظل لعقود يعتقدها نقطة تفوق استراتيجي وهي المساحة القانونية، حيث بنى وجوده واستمراره على دعم خارجي وعلى سياسة الإفلات من العقاب لسنوات طويلة”.

إرث الثورة الجزائرية.. دعم لا ينضب للقضية الفلسطينية

خلال ندوة تضامنية مع القضيتين الفلسطينية والصحراوية، تم تنظيمها يوم السبت 24 فيفري 2024 بالجزائر العاصمة، أشار ممثل حركة “حماس” بالجزائر إلى أن الكيان المحتل يقف اليوم لأول مرة أمام محكمة التاريخ، بتهمة ارتكاب إبادة جماعية بحق الشعب الفلسطيني، وأشاد حمدا، بموقف الجزائر الثابت الداعم للقضية الفلسطينية باعتبارها أول دولة تدعو لمحاسبة الكيان الصهيوني وعدم السماح له بالإفلات من العقاب.

وشدد حمدان خلال الندوة التي جاءت بعنوان “تداعيات ملحمة طوفان الأقصى والقضية الصحراوية على الأمن القومي وتفعيل آليات التضامن الصحراوية والفلسطينية وسبل دعم اللحمة الوطنية” على أنّ “ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة”، وهذا ما استلهمته المقاومة الفلسطينية وتعلمته من الثورة الجزائرية المجيدة ومن شهدائها ورجالها، أمس واليوم.

وفي ماي 2024، لم يجد الطلاب في الجامعات الأمريكية من دافع معنوي لشحذ هممهم، وإبداء تضامنهم المطلق مع القضية الفلسطينية، غير مشاهدة الفيلم الحربي التاريخي “معركة الجزائر”،  الذي يحاكي ملحمة المقاومة الجزائرية ضد جيش الاحتلال الفرنسي.

الفيلم التاريخي الشهير الذي قام بإخراجه الإيطالي جيلو بونتيكروفو، اتخذه الطلبة المعتصمون في العديد من الجامعات الأميركية الداعمة لفلسطين، كحافز معنوي لدعم الشعب الفلسطيني، حيث تم عرض الفيلم على شاشة كبيرة أمام جامعة ستانفورد، وتم إبراز مشاهد منه تذكر بقوة وصبر الشعب الجزائري أمام الاستعمار الفرنسي.

وشكل نضال الشعب الجزائري واستماتة لنيل الحرية والانعتاق من أغلال المستعمر، مرجعا وحافزا نضاليا للطلبة بالجامعات الأمريكية، إذ ربط المعتصمون الأحداث الجارية في قطاع غزة، بما كابده الشعب الجزائري إبان ثورة التحرير، من ظلم ممنهج ومحاولة تطهير عرقي.

وتداول رواد منصات التواصل الاجتماعي صورا تظهر عرض فيلم “معركة الجزائر”، على الطلبة المعتصمين في جامعة ستانفورد الأميركية العريقة، ولقيت الصور تفاعلا كبيرا من رواد منصات التواصل، الذين تداولوها عبر نطاق واسع وذكروا بثورة بلد المليون شهيد والتي باتت مصدر إلهام لأبناء “شعب الجبارين” في غزة، وللطلبة الأميركيين في جامعاتهم.

وكان الكاتب عبد النور تومي قد استذكر في مقال له ليلة الأول من نوفمبر عام 1954، باعتبارها لحظة مفصلية في تاريخ الشعب الجزائري الذي هزم الاحتلال الفرنسي، إثر انتفاضات وثورات شعبية باسلة ضد سياسة الاستيطان للمستعمر الغاشم، ففي ذلك التاريخ -يضيف الكاتب – انطلقت أولى الرصاصات وبدأت حرب تحريرية شاملة للتراب الوطني.

ووصف تومي تلك الثورة بأنها كانت شرسة، استمرت قرابة 8 سنوات 1954-1962 وشهدت ملاحم بطولية كبيرة، رغم قلة العدة والسلاح، إذ استطاع الشعب الجزائري أن يقود هذا المشروع التحرري والنهضوي ليس في الجزائر فقط بل لفائدة كل الشعوب المستعمرة بالمنطقة.

هذا ما يجرنا إلى الحديث حول ما يجري الآن في فلسطين المحتلة والمعركة البطولية التاريخية التي ستغير معادلة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ويهز العقيدة العسكرية لسلطة  الاحتلال من جهة، ويضع سياسة الأنظمة العربية تجاه القضية الفلسطينية التي طالما ظنوا أنها انتهت، في دائرة الحرج.

وقال الكاتب عبد النور تومي إن معركة طوفان الأقصى أربكت وفضحت أسطورة قوة جيش الاحتلال وأجهزته الاستخباراتية، فهذه العملية التي تشنها المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة وداخل مناطق الاحتلال منذ فجر يوم السبت السابع من أكتوبر 2023، شملت هجوماً برياً وبحرياً وجوياً وتسللاً للمقاومين إلى عدة مستوطنات في غلاف غزة.

الجزائر وفلسطين.. دروس في الكفاح من أجل الحرية

وبشأن المقاربة مع المقاومة الفلسطينية، أوضح تومي أن الثورة الجزائرية شهدت ترتيباً زمنياً سياسياً وتنظيمياً لا يختلف عن التطورات التي تشهدها فلسطين المحتلة، فظروف اندلاع الثورة التحريرية كانت سبباً في تراجع مكانة فرنسا كقوة عسكرية بعد الحرب العالمية الثانية وخسارتها في معركة ديان بيان فو في فيتنام عام 1954.

أيضاً – يضيف الكاتب – تم تسجيل القضية الجزائرية على أنها قضية تصفية استعمار، كما تم تشكيل حكومة وطنية أدارت الثورة تحت راية جيش التحرير الوطني وجبهة التحرير الوطني الجناح السياسي للثورة، اقتناعا من الجزائريين بضرورة الكفاح المسلح بعد فشل العمل السياسي، مثلما يحدث مع الشعب الفلسطيني الذي يئس من انتظار موقف من المجتمع الدولي.

وغالبا ما يربط الجزائريون والفلسطينيون بين ثورة نوفمبر بمعركة طوفان الأقصى معتبرين أن الشعوب الخرب يلهم بعضها بعضا، إذ تتشابه الكثير من الأحداث والمحطات، وتتكرر بعض الأوصاف التي عانى منها الثوار الجزائريون قبل أن يضطر العالم للاعتراف بكفاحهم ضد المستعمر الفرنسي الذي سفك دماء ملايين الجزائريين.

وتكررت الإحالات إلى تاريخ أول نوفمبر 1954 الذي يبدو اليوم حياً في ظل ما يجري بفلسطين، وفي هذا المعنى، قال وزير المجاهدين العيد ربيقة، خلال استقباله السفير الفلسطيني، فايز أبو عيطة – نوفمبر الماضي – إنّ “قضية فلسطين جزائرية، لأنّ تاريخ الدولتين واحد وانتصاراتهما واحدة”، وأبرز أنّ الجزائر، التي عانت ويلات المستعمر سيظل موقفها ثابتا وداعما للشعب الفلسطيني.

وفي سياق تصحيح المفاهيم حول الفرق بين المقاومة والإرهاب، قال رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، مستلهما من تاريخ الثورة الجزائرية في تصريحاته إنّ “وصف الإرهاب لا ينطبق على الفلسطينيين الذين يقاومون من أجل استعادة أرضهم”، معتبرا أنّ “عدوان الاحتلال الصهيوني ضد سكان قطاع غزة في فلسطين، هو عبارة عن جرائم حرب مكتملة الأركان”.

وأكد الرئيس تبون أنّ الجزائريين تم إلقاء تهمة الإرهاب عليهم، حينما دافعوا عن أرضهم، مستشهدا بمقولة الشهيد العربي بن مهيدي، في رده على اتهامات الفرنسيين للمجاهدين بممارسة الإرهاب عن طريق تفجير القنابل الموضوعة في القفف: “أعطونا طائراتكم.. نمنحكم قففنا”.

وفي جوان الفارط، شبّه السياسي اللبناني المعروف، وليد جنبلاط، ما يحدث في فلسطين وتحديدا غزة، بما جرى في الجزائر أثناء الثورة التحريرية، محددا أوجه ذلك الشبه، بين فرنسا والصهاينة، قائلا -في حديث إلى منصة “أثير”- إن الفرنسيين حاولوا القول بأن الجزائر فرنسية ولا يوجد شعب طيلة سنوات، لكن في النهاية تم دحرهم على يد المقاومة والثورة الكبرى.

وفي هذا النوع من الحروب، أضاف جنبلاط، هناك مقاتل فردي في مواجهة جيش نظامي، ولا يوجد توازن عسكري، وهي شروط ومقومات حروب العصابات، ومن أوجه التشابه أيضا في نظر السياسي اللبناني، هو قيام الاستعمار بحملات استيطانية كبيرة جالبا الملايين من الأوروبيين والفرنسيين، وتهجير الشعب الجزائري، قبل أن تندلع المقومات المتتالية، يضيف المتحدث، وصولا إلى الثورة التحريرية الكبرى التي دحرت الاحتلال من الجزائر كليا.

وقال جنبلاط إنّ الظروف والتحولات الدولية في تلك الفترة في الغرب تغيرت، وسارت في اتجاه الثورة الجزائرية، وفي هذا الصدد، أشار إلى أنّ الحرب ستطول والقضاء على “حماس” مستحيل.

وفي فيفري 2024، أشار والمؤرخ محمد غرتيل إلى أنّ التذكير بالدم الذي أريق في سبيل تحرير الجزائر، وهو ذاته الدم الذي يدفعه الفلسطينيون اليوم لتحرير الأرض من المحتل الصهيوني، معتبرا أن “الهدف الأسمى، هو استرجاع السيادة على الأرض والحرية المسلوبة”، مردفا بقوله: “الاحتلال وإن اختلفت جنسيته فطبيعته واحدة وصفاته القتل والتهجير والتجويع” .

ففي ندوة موسومة بـ”مقاربة سوسيولوجية بين الثورة الجزائرية والمقاومة الفلسطينية” احتضنتها دار الثقافة المجاهد محمد إسياخم بغليزان، قال المؤرخ غرتيل، إن الفلسطينيين أكثر الشعوب العربية إعجابا وتعلقا بالثورة الجزائرية وأشدهم متابعة لأخبارها، فهي بالنسبة إليهم تجربة مثمرة وجب الاقتباس منها والأخذ بأسلوبها لتوظيفه قبل وأثناء إطلاق شرارة كفاحهم المسلح.

وأضاف في هذا السياق: “الثورة الجزائرية بالنسبة إليهم هي أول رد فعل عربي شعبي غاضب على نكبة 1948م، ما جعلهم يقرّرون متابعة أخبارها ومساندتها ودعمها وكما ألهمتهم تجارب الثوار الجزائريين في الكفاح الثوري وحرب العصابات، ألهمتهم مواثيق النضال السياسي الجزائري حتى بعد الاستقلال، فمثلت بذلك الثورة الجزائرية مصدر إلهام للكفاح الفلسطيني”.

الدعم الدولي للمحتل.. من فرنسا إلى الكيان الصهيوني

وشدد المؤرخ أنّ الفلسطينيين اعتبروا انتصار الثورة الجزائرية انتصارا لهم وقرروا مساندتها بكل ما يملكون، ذلك أن وقائع التاريخ والجغرافيا تفرض على فلسطين والجزائر التآزر والتضامن، لقد دعموها ماديا ومعنويا وكتبوا فيها أشعارا عن الجزائر، مثلما كتب محمود درويش قصيدة (عن قيد الضياء) مخاطبا فيها ثوار الجزائر”.

وقدم المؤرخ عدة مقاربات في هذا السياق، موضحا بقوله: “إذا تفحصنا أسلوب ووسائل الكفاح الفلسطيني، فسنجده رافدا من روافد كفاح الشعب الجزائري، فما أشبه البارحة باليوم، وكإسقاط تاريخي لأوجه الشبه في الكفاحين، فكلاهما كان حركة تحررية ضد أخطر وأعتى شكل من أشكال الاستدمار، وهو الاستعمار الاستيطاني، الذي جثم على الأرض وعاث فيها تدميرا وهجر أصحابها وشتتهم في دول العالم.

وأيضا المقاومة الوطنية الشعبية قادها أبناء الجزائر وفلسطين ولا دخل لقوى أجنبية فيها، أما الإصرار والتضحية كلاهما وقف الند للند في وجه آلة الإجرام من أجل التحرر وقدموا قوافل من الشهداء، فارتكب جيش الاحتلال مجازر بشعة راح ضحيتها أطفال ونساء وشيوخ مثل مجزرة جباليا ودير ياسين ومجزرة مخيم النصيرات في فلسطين، تقابلها مجازر الجيش الفرنسي في الجزائر، مثل محرقة أولاد رياح ومذبحة واحة الزعاطشة وإبادة سكان مدينة الأغواط ومجزرة الثامن ماي 1945 ومجزرة ملعب سكيكدة 20 أوت 1955”.

وأضاف المؤرخ قائلا: “استعمال الأسلحة المحرمة دوليا من طرف جيش الاحتلال، كقنابل النبالم الحارقة وحقول الألغام المضادة للأفراد في الجزائر، واستخدام الفوسفور الأبيض والقنابل العنقودية في فلسطين، وكذا اعتماد تكتيك حرب العصابات أو حرب الكر والفر، فهذا الأسلوب الذي أعتمد عليه ثوار الجزائر، تعتمد عليه اليوم الفصائل الفلسطينية ضد قوات العدو الصهيوني، وهذا نتيجة الفرق الكبير في موازين القوى من حيث العدة والعتاد.

وكذا تكالب القوى الغربية على الشعب الفلسطيني ودعم أمريكا للكيان الصهيوني وما يرتكبه من عدوان على غزة، هو نفس ما عاشه الشعب الجزائري، خلال العدوان الفرنسي، حيث قدم الحلف الأطلسي دعما ماديا ومعنويا للجيش الفرنسي من أجل إبادة الجزائريين وإذا كانت فرنسا قد جلبت لفيفا أجنبيا مشكلا من الأفارقة لسفك دماء الجزائريين، فإن الكيان الصهيوني اعتمد على المرتزقة من كل دول العالم”.

واصل المؤرخ في عرض الأوجه والمقاربات قائلا: “حق الفيتو لتعطيل أي قرار يخدم القضية أو يناقشها، كما فعل الفيتو الفرنسي الذي منع مناقشة القضية الجزائرية والفيتو الأمريكي الذي يحمي اليوم الابن المدلل لأمريكا، ضد أي ملاحقة أو متابعة جنائية تدينه، كما أن جبهة التحرير الوطني، هي الممثل الشرعي للشعب الجزائري والثورة، أما في فلسطين فكانت حركة التحرير الفلسطينية (فتح) التي أعلنت الثورة سنة 1965 واليوم هي من تقود السلطة الفلسطينية لتواصل فصائل فلسطينية أخرى الكفاح كحماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية”.

ومن جانب الدعاية الإعلامية، قال: “كان صوت المجاهد الرمز عيسى مسعودي الذي يصدح من إذاعة صوت العرب بالقاهرة وإذاعة الجزائر السرية مثل صوت المقاوم الفلسطيني الملثم أبو عبيدة، الذي يزلزل أركان الكيان وكلاهما ساهم في رفع المعنويات وكشف جرائم العدو وتكذيب ادعاءاته ونشر أخبار المعارك والبطولات. إلى جانب الدعاية المغرضة المتمثلة في تشويه صورة المقاومين والثوار، فقد نعتت فرنسا ثوار الجزائر بأقبح الصفات باللصوص، والفلاقة، وقطاع الطرق وسارت الدعاية الصهيونية على نفس النهج بوصف المقاومين الفلسطينيين بالإرهابيين، والمجرمين، والدمويين وغيرها”.

وعرج المؤرخ على الثبات والصبر والتمسك بالأرض قائلا: “فقد كان الشعب الجزائري رغم سياسة التجويع والتقتيل والترهيب والتدمير متمسكا بأرضه لا يفارقها، كما يفعل اليوم إخواننا في فلسطين الذين وقفوا في وجه الآلة الإجرامية الصهيونية لإجهاض مؤامرة صفقة القرن والتهجير القسري ليسطروا ملحمة بطولية في الثبات والتضحية”.

من الجزائر إلى غزة.. طريق واحد للنصر

أبرز الأستاذ والباحث في الشؤون الدولية، عبد الرحمان بوثلجة، أنّ قيام البعض بالترويج  لما قامت به المقاومة الفلسطينية بتاريخ السابع من أكتوبر الماضي على أنه مغامرة ومخاطرة تُقوض الصالح الفلسطيني، يأتي في حقيقة الأمر في إطار تواطؤ هؤلاء وعمالتهم المفضوحة التي يُبدونها جهارا للكيان الصهيوني، خاصةً بعد التوقيع على ما يسمى باتفاقية “أبراهام” التي تؤسس للتطبيع مع “إسرائيل” تحت غطاء أعذار واهية وأغراض لا تخدم بأيّ شكل من الأشكال شعوب الأمة العربية، أو الشعب الفلسطيني بعد حديث البعض عن أنّ التطبيع سيساعد ويسمح للفلسطينيين بإقامة دولتهم وتحسين وضعهم بعد ربطهم لعلاقات مع الكيان الصهيوني.

وفي هذا الصدد، أوضح الأستاذ بوثلجة في تصريح لـ “الأيام نيوز”، أنّ العدوان الصهيوني المتواصل على قطاع غزّة للشهر التاسع على التوالي، أثبت بما لا يدعُ مجالاً للشك بأنّ حكومة الكيان الصهيوني بصفة عامة لا تُلقِ بالاً لهؤلاء المتواطئين ولا تقيم لهم وزناً وكل ما قاموا به من أجل “إسرائيل” ذهب أدراج الرياح، أما هذه المعركة الدائرة والتي استشهد فيها آلاف الفلسطينيين من الأبرياء والعزل على أيدي جيش الاحتلال الصهيوني المدعوم بأحدث الأسلحة الغربية ومن طرف أقوى دول العالم وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية، هي ثمنٌ للحرية والتحرر من براثين الاحتلال الصهيوني الجائر، فعلى مرّ التاريخ لم تتخلص الشعوب والأمم من ويلات الاستعمار إلا من خلال بذل الأرواح والدماء الزكية في سبيل ذلك.

في السياق ذاته، تطرق محدثنا إلى ثورة التحرير الجزائرية، وما قدمه أبناء الشعب الجزائري من تضحيات جسام في سبيل استرجاع الحرية والاستقلال الذي ننعم به اليوم، فبعد أن احتلت فرنسا الاستعمارية بلادنا لما يقارب الـ 132 سنة اندلعت المقاومات الشعبية المناهضة للاحتلال لتشمل مختلف ربوع الوطن، فلم يجد المستعمر الفرنسي الذي لا يقل إجراما عن “إسرائيل” غير ارتكاب المجازر المروعة بحق الجزائريين فكان الثمن ملايين من الشهداء والمصابين والمفقودين، كل هذا كان يحدث بعيدا عن أعين العالم، فآنذاك لم تكن هناك منصات للتواصل الاجتماعي أو وسائل إعلام متطورة تنقل الحقائق والوقائع كما هو متاح في وقتنا الحالي.

إلى جانب ذلك، أفاد الباحث في الشؤون الدولية، أنّ الجزائر دفعت ثمنا باهظا في سبيل تحقيق السيادة والاستقلال، فهناك من يتحدث عن أن عدد الشهداء خلال فترة الاحتلال الفرنسي للجزائر بلغ حوالي خمسة ملايين وستة مائة شهيد وهناك من يتحدث عن سبعة ملايين شهيد، وبالتالي فإنّ الحرية لا تأتي بدون ثمن، أما تلك التي تأتي بدون ثمن فليست حريةً كاملة، والدولة التي لا تنال استقلالها عن طريق الكفاح والمقاومة هي دولة ذات سيادة ناقصة وهذ ما أثبته ونقله لنا التاريخ عبر مختلف مراحله.

وأردف محدث “الأيام نيوز” قائلا: “إنّ الجزائر خلال تلك الحقبة وكما هو الحال اليوم بالنسبة لفلسطين، كان يقف ضدها عملاء لفرنسا يحاولون تثبيط عزيمة الجزائريين وثنيهم عن الكفاح وعن المقاومة من خلال الترويج وتصوير فرنسا على أنها دولة قوية ولا يمكن إخراجها بالقوة من الجزائر، وما يقوم به الثوار هو توريط للشعب الجزائري، وظهر ذلك حتى بين ما يُطلق عليهم “رجال الدين”، الذين كانوا يعتبرون أنّ فرنسا هي قضاء من الله وبالتالي وجب الرضا بقضاء الله كما أن هناك من اعتبرها أنها هي ولية الأمر ويجب طاعتها، فمثل هذه التبريرات من المتواطئين ومن المتعاونين مع الاحتلال ومع المعتدي عرفها التاريخ مثلما عرف كفاح ونضال الشعوب في سبيل تحررها من المستعمر بالسلاح وليس بالكلام ولا بالترند وما إلى ذلك”.

على صعيدٍ متصل، أبرز الأستاذ بوثلجة، أنه من خلال إجراء مقارنة بسيطة بين ما كان يحدث إبّان الثورة التحريرية الجزائرية وبين ما يحدث اليوم من حرب إبادة جماعية في حق الأبرياء من المدنيين والعزل في قطاع غزّة، نجد أنّ عدد الشهداء آنذاك بلغ أرقاما مهولة بمعدل عشرة آلاف شهيدا خلال كل شهر، إلا أنّ ذلك لم يثبط من عزيمة الشعب الجزائري الذي ظل صامدا ومتمسكا باسترجاع سيادته وأرضه، كما بقي اليوم الشعب الفلسطيني ثابتا على أرضه ومصرا على التحرر من الهيمنة الاستعمارية الصهيونية وتحرير أرضه.

وفي هذا الإطار، أشار المتحدث إلى وجود بعض القنوات الموالية للدول المطبعة على غرار الإمارات، تتحدث عن أنّ ما قامت به حركة المقاومة الفلسطينية “حماس” هو مقامرة ولا يصب في صالح الشعب الفلسطيني، حتى أنّ هناك من يتهم “حماس” بأنها حركة عميلة لدول أخرى تقف ضد مصلحة الشعب الفلسطيني، وكأن الفلسطينيين قبل عملية “طوفان الأقصى” كانوا ينعمون بالسيادة والاستقلال والحرية ويعيشون في كنف الازدهار الاقتصادي والرفاه، وأن “حماس” هي من أفقدتهم كل ذلك بتاريخ السابع من أكتوبر الماضي.

في السياق ذاته، أفاد الباحث في الشؤون الدولية أنّ الحقيقة غير ذلك تماما، فالشعب الفلسطيني في قطاع غزّة، يعاني ويلات الحصار منذ سنوات طويلة، وكل ما فعله الكيان الصهيوني والداعمين لع من الغرب ومن العرب المطبعيين، هو تعزيز الانقسام بين الفلسطينيين وما بين منظمة التحرير في الضفة وحماس في غزة، طمعا منهم في أن يؤدي هذا الانقسام إلى عرقلة قيام الدولة الفلسطينية على حدود 1967، حتى أنّ هناك بعض الأبواق ممن تصنف في خانة رجال الدين، تتحدث على أنّ ما تقوم به المقاومة هو خروج عن الحاكم وهؤلاء خوارج وما يقومون به ليس جهادا، وكل ذلك يأتي في إطار محاولة يائسة بائسة لتثبيط العزائم ومحاولة أخرى  لتبرير التواطؤ والعجز عن نصرة الفلسطينيين المظلومين في قطاع غزة، لكن كل هذه المحاولات باءت في الأخير بالفشل  الذريع.

وتابع الخبير في السياسة، أنّ ما قام به رجالات المقاومة الفلسطينية الأشاوس بتاريخ السابع من أكتوبر الماضي، أيقظ ضمير العالم وأصبح الملايين يتظاهرون عبر كبرى عواصم العالم نصرة للحق الفلسطيني حتى في الولايات المتحدة الأمريكية الداعم رقم واحد للكيان الصهيوني، خرج آلاف الطلبة الذين يمثلون نخبة المجتمع في مظاهرات حاشدة عبر مختلف الجامعات الأمريكية غير أبهين بمستقبلهم الدراسي أو المهني دعما وإسنادا للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، حتى أنّ هناك جنديا أمريكيا قام بإنهاء حياته من أجل القضية الفلسطينية، إذن كل هذه المعطيات بالإضافة إلى فشل الكيان الصهيوني المحتل في تحقيق أي هدف من أهدافه المعلنة مع بداية عدوانه الجائر على القطاع، تؤكد أنّ ما حدث شهر أكتوبر الماضي كان عين الصواب.

خِتاماً، أبرز الأستاذ والباحث في الشؤون الدولية، عبد الرحمان بوثلجة، أنّ عملية “طوفان الأقصى” هي الاختيار الصائب، مثلما أصاب الثوار الجزائريين الاختيار عام 1954 بإعلان تفجير الثورة التحريرية المظفرة، بالرغم من أنه خلال تلك الفترة كان يوجد من يؤمن بالحوار والسلمية ومن يؤمن بالاندماج وحتى من يؤمن بأن فرنسا ستمنحنا الاستقلال بدون أي مقاومة، وبالتالي فإنّ التاريخ يعيد نفسه، والأكيد بأنّ الفلسطينيين في قطاع غزّة يستلهمون من الثورة الجزائرية ويرونها قدوة لهم من أجل تحرير أرضهم من براثين الكيان الصهيوني هذا المحتل الجائر.

قوة الحق تنتصر على حق القوة..

غزة على درب ثورة الجزائر

أبرز ممثل الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بالجزائر، محمد الحمامي، أنّ القاعدة تقول أنّ قوة الحق دائماً ما تنتصر على الباطل في نهاية المطاف، واليوم أصبح العالم بأسره يُدرك يقيناً هول ما يتعرض له الأبرياء والعزل في قطاع غزّة، من حرب إبادة جماعية وتطهير عرقي من قبل الاحتلال الصهيوني الجائر المدعوم من الدول الغربية الاستعمارية والولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر شريكًا في هذه الحرب الشعواء ضد الأمنيين في بيوتهم في القطاع، والتي لم تحقق ولو هدفاً واحداً من أهدافها المعلنة في ظل صمود وثبات الفلسطينيين وشجاعة وبسالة المقاومة الفلسطينية على أرض الميدان.

وفي هذا الصدد، أوضح الحمامي في تصريح لـ “الأيام نيوز”، أنّنا نتحدث عن 76 عاما من الاستيطان والاستعمار والقتل والدمار والاعتقال والسحل بحق أبناء الشعب الفلسطيني الأعزل، واليوم بات الجميع يعي جيّدا أنّ الرواية والسردية الصهيونية كاذبة وأن أصحاب الأرض وأصحاب الحق هم الفلسطينيون ولا أحد غيرهم، والآن بدأنا نرى العلم الفلسطيني وهو يرفرف عاليا في سماء مختلف عواصم العالم.

في السياق ذاته، أشار محدثنا أنّ ما حدث بتاريخ السابع من أكتوبر 2023، والذي وضع القضية الفلسطينية على المسار الصحيح، جاء ردّا على ما قام به الاحتلال على مدار 76 عاما من استعمار فلسطين و57 عاما من احتلال الضفة وغزة والقدس، إلا أنّ هناك أصواتا وأبواقا تتحدث عن السابع من أكتوبر كمبرر لِمَا يرتكبه الاحتلال في القطاع، متناسين عشرات السنين من القتل والتنكيل والاعتداءات المتكررة بحق كل ما هو فلسطيني.

على صعيدٍ متصل، أفاد ممثل الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، بأنّ هذه رسالة إلى القيادة السياسية الرسمية للشعب الفلسطيني، بأنّ كل الخيارات التي كانت تُراهن عليها والوعود الكاذبة والزائفة التي كانت تقدمها الولايات المتحدة الأمريكية على مدار 76 عاما من سياسة الانتظار لم تجدي نفعا، بل على العكس تماما فالاحتلال الصهيوني المستبد له مشروع واضح وجليّ وهو تهجير الشعب الفلسطيني أو قتله، وهذا ما يتحدث عنه كل قادة الاحتلال كلما أتيحت لهم الفرصة، وبالتالي فإنّ العدوّ الصهيوني لا يفقه إلاّ لغة المقاومة ردا على ثلاثين عاما من لغة الاستجداء والاستعطاف التي مارستها القيادة السياسية الفلسطينية.

إلى جانب ذلك، أفاد المتحدث أنّه وقبل تاريخ السابع من أكتوبر الماضي، تم طرح مشروع تعميم التطبيع العربي الإسرائيلي ومسح وشطب القضية الفلسطينية، فقد كان هؤلاء يريدون للشعب الفلسطيني أن يكون عبارة عن سكان أو عن أهالي بحكم ذاتي لا دولة فلسطينية لهم، لكن طوفان الأقصى ورغم الألم والوجع وعشرات الآلاف من الشهداء والجرحى والبيوت والمساجد والمشافي المدمرة إلاّ أنه أعاد القضية الفلسطينية إلى المشهد وأصبح هناك من يتحدث عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة.

وتابع قائلا: “علينا كفلسطينيين أن نعيد قراءة المشهد من جديد لأن تداعيات “طوفان الأقصى” لم تقتصر فقط على مستوى فلسطين أو على مستوى الإقليم، بل كانت لهذه العملية التاريخية تداعيات كبرى على مجمل النظام السياسي العالمي، فالولايات المتحدة الأمريكية لم تعد قادرة على قراءة المتغيرات التي أحدثها هذه العملية، وآن الأوان اليوم حتى تعي أمريكا أنّ العالم يتغير وأنّ هذه العملية التاريخية صنعت معادلة جديدة ستغير الإقليم وستغير العالم على مستوى النظام السياسي العالمي ولم تعد الولايات المتحدة الأمريكية هي الشرطي الذي يحمي هذا الاحتلال الجائر”.

هذا، وفي ختام حديثه لـ “الأيام نيوز”، أبرز الحمامي أنّ الشعب الفلسطيني سينتزع استقلاله أُسوةً بالجزائر والفيتنام وبكل حركات التحرر على غرار جنوب إفريقيا التي واجهت نظام الأبارتايد، وما يعيشه الشعب الفلسطيني هو أفظع من نظام الأبرتايد في مدن الضفة الفلسطينية التي يوجد بها أزيد من 700 حاجز أمني، إضافةً إلى الاعتقال واجتياح مخيمات جنين، ونابلس وطول كرم والخليل بشكل يومي، فيما تكتفي السلطة الفلسطينية بأخذ دور المتفرج.

“طوفان الأقصى” أكثر من مجرّد صراع مسلّح..

الإلهام الجزائري يضيء الأمل الفلسطيني

بقلم: محمد آدم المقراني – ناشط حقوقي جزائري

معركة “طوفان الأقصى” التي أطلقتها المقاومة الفلسطينية تعتبر من أكبر المواجهات في السّنوات الأخيرة، حيث تمكّنت من إلحاق ضربات موجعة بالعدو رغم التفوّق العسكري “الإسرائيلي” الكبير، بما في ذلك الغطاء الجوّي والتّكنولوجيا المتقدّمة مثل نظام “القبّة الحديدية”، وعلى الرّغم من القصف العنيف والحصار المشدّد الذي تفرضه “إسرائيل” على قطاع غزّة، فإنّ المقاومة أثبتت قدرة فائقة على الصّمود والرّد.

التّضحيات الكبيرة التي قدّمتها المقاومة الفلسطينية ليست غريبة على التّاريخ العربي والإسلامي في مواجهة الاستعمار والاحتلال، فالجزائر التي دفعت ثمناً باهظاً لتحقيق استقلالها، تشكّل نموذجاً ملهماً لكلّ الشّعوب السّاعية للتحرّر.

الشّعب الجزائري واجه قمعاً وحشياً من قبل القوّات الاستعمارية الفرنسية، ولكنّه استمرّ في نضاله حتّى نال حرّيته، هذه التّجربة التّاريخية تؤكّد أنّ النّصر يتطلّب صبراً وتضحيات جسيمة، وهو ما يدركه الفلسطينيون جيّداً في نضالهم المستمر الذي يوجّهه البعض للمقاومة بسبب خسائر الأرواح يتجاهل السّياق الأوسع للصّراع.

إن الاحتلال الإسرائيلي نفسه مسؤول عن العديد من الجرائم والانتهاكات التي تؤدّي إلى سقوط ضحايا مدنيين، فقد استخدام الفسفور الأبيض، ومنع الإمدادات الغذائية والطبية، وقطع الكهرباء والماء عن غزّة، كلها إجراءات تهدف إلى كسر إرادة الشّعب الفلسطيني. إلّا أنّ هذه السّياسات لم تثنِ المقاومة عن مواصلة نضالها، مثلها مثل حركات التحرّر الأخرى، لتواجه تحدّيات كبيرة على الصّعيدين العسكري والسّياسي.

الاحتلال الإسرائيلي يسعى إلى استغلال كلّ فرصة لتقويض المقاومة وإضعافها، إلّا أنّ الصّمود والإبداع في تكتيكات القتال والتّأقلم مع الظّروف القاسية يجعل من الصّعب على الاحتلال تحقيق أهدافه.

حماس، التي تقود جزءاً كبيراً من المقاومة، أثبتت أنّها قادرة على تحقيق ضربات نوعية، وتحقيق انتصارات حتّى في ظلّ الظّروف الصّعبة، فـ “طوفان الأقصى” ليست مجرّد صراع مسلّح، بل هي جزء من نضال طويل من أجل الحريّة والاستقلال.

الفلسطينيون يدركون أنّ طريق التحرّر مليء بالتّضحيات، وهم مستعدّون لدفع الثّمن الغالي لتحقيق أهدافهم، هذه الرّوح الكفاحية ليست جديدة، بل هي جزء من تاريخ طويل من المقاومة ضدّ الاحتلال والاستعمار، سواء في فلسطين أو في أماكن أخرى مثل الجزائر.

من المهم أن نتذكر أن الحركات التحررية دائماً ما تواجه انتقادات ومحاولات لتشويه صورتها. هذه الانتقادات غالباً ما تكون مدفوعة بأجندات خفية أو مصالح سياسية، لكنها لا تغير من حقيقة أن النضال من أجل الحرية هو حق مشروع لكل الشعوب المضطهدة. التاريخ يثبت أن الشعوب التي تناضل من أجل حريتها لا تستسلم بسهولة، وأن النصر يتطلب صبراً وتضحيات جسيمة.

في النهاية، يجب أن نقدر التضحيات الكبيرة التي يقدمها الشعب الفلسطيني في نضاله من أجل الحرية. المقاومة الفلسطينية، مثلها مثل المقاومة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، تواصل كفاحها رغم كل الصعوبات والتحديات. هذا النضال يمثل إرادة الشعب الفلسطيني في الحرية والكرامة، وهو نضال سيستمر حتى تحقيق الأهداف المرجوة.

حول ثمن الحرية..

هذه رسالة شهداء الجزائر إلى المقاومة في فلسطين

بقلم: عكنوش نور الصباح – خبير إستراتيجي جزائري

لا يوجد شعب نال حريّته واسترجع سيادته وهو جالس على الكرسي ويأخذ صورة مع المستعمر، فالتّاريخ لخّص الحقيقة في أنّ هناك ثمن وثمن غال يدفع مقابل تحرير الأرض واستعادة التّراب، ونحن هنا لا نكتشف قانونًا جديدًا في الفيزياء أو الرّياضيات بل الواقع عبر الأحداث والمتغيّرات يؤكّد أنّ معادلة البقاء تقوم على الكفاح والنضال والاستشهاد.

وإذا أراد الإنسان حقّه ذهب إليه بدمه يطلبه ولا ينتظر أن يبعث له أحد مصعدًا أو سلّمًا للصّعود، وما السّابع من أكتوبر إلّا تجسيد لهذه الحقيقة الموضوعية المستمرّة عبر الزّمان والمكان والإنسان استمرار الحياة.

ومن يلوم شعبًا أعزل ومحاصر على مقاومته بحجّة موت الآلاف، لم يقرأ التّاريخ ولم يقرأ أصلًا ويريد أن يقنع نفسه أنّ فلسطين يمكن أن تعود بكأس ماء بارد على مائدة مفاوضات بربطة عنق في فندق من عشرة نجوم دون ميزان قوّة على الأرض، وبالتّالي دون نفس ونفيس لمجرّد أنّه يحب حياة الرّغد والأضواء والدّولار ويريد إسقاط نظريته في السّياسة على شعب لم ينل بالكراسي – تميل شمالًا ويمينًا – إلّا الخسران منذ أوسلو وإلى اليوم وعندما يقوم بعمل مسلّح مشروع ضدّ الاحتلال يقال له الشّعب يريد العيش.

وغزّة كانت ستصبح مثل إمارات الخليج وبالتّطبيع كان الاقتصاد سيصبح شغّال وغيرها من سرديات استسلام استراتيجي لن يكون إلّا وهمًا على الفلسطينيين الذين لم يعد أحد يتحدّث عنهم قبل السابع من أكتوبر وهم اليوم يريدون طي السّنين كما فعل الجزائريون قبلهم وربح الوقت ومنع تصفية القضية في الكواليس وعبر الصّفقات وإحياء هويتهم أمام العالم وتقديم أوراق اعتماد وجودهم للضّمائر الحيّة وقوى الخير في هذا الكوكب بتوقيع بختم أحمر بدماء طفلة وعجوز وشاب ومسنّ آثروا الشّهادة على الحياة الدّنيا مثلما فعل علي لابوانت والعربي بن مهيدي ومصطفى بن بولعيد وأحمد زبانة ولالة فاطمة نسومر وبوزيد سعال والعربي تبسي والملايين من شهداء المقاومة الجزائرية عبر التّاريخ.

ولولا دماء هؤلاء الشّهداء الزّكية ما تحرّرت الجزائر وما وقفت اليوم مع فلسطين ظالمة أو مظلومة في نموذج حقّ تبني عليه المقاومة الفلسطينية صمودها ومجدها وقوّتها وطول نفسها أمام أعداءها وأمام بني جلدتها من الذين يطلبون الحياة والعيش بالمعنى المادّي وهم موتى الأنفس والكرامة ويبخسون تضحيات قوم يطلبون الحياة الآخرة بالمعنى المعنوي في سبيل الله وفي سبيل أولى القبلتين وثالث الحرمين، كلمة السرّ عندهم نفسها التي استعملها المجاهدون في ليلة أوّل نوفمبر 1954: “عقبة.. خالد..!”.

الأيام نيوز - الجزائر

الأيام نيوز - الجزائر

اقرأ أيضا