هل صدقت نبوءة الجزائر في غرب المتوسط ؟

بعين الريبة كانت تنظر الجزائر ولازالت إلى قدوم الكيان الصهيوني نحو المغرب العربي، وتنبأت بأزمات حادة ستنشب بين دول المنطقة وتؤثر على التنسيق في غرب المتوسط.

كالشيطان تسير دولة الاحتلال الإسرائيلي بين ضفتي غرب المتوسط، لتبث سمومها وتزرع الوساوس عند عواصم كانت تضمن حدّا من التنسيق لضمان أمن ورفاهية شعوبها واستقرار أوطانها.

منطقة تشتهر بنشاط الهجرة غير الشرعية وما ينطوي عليه من تحديات أمنية واجتماعية، إضافة إلى تبادل تجاري وشراكات اقتصادية صاعدة بين دولها.

لكن الكيان الصهيوني يأبى إلا أن يخلّف نزاعا وتشرذما واقتتالا أينما حلَّ ليغذي دولته “الموعودة”، والفوضى الناشبة في الشرق الأوسط خير دليل.

ووطأت قدما الاحتلال الإسرائيلي المغرب العربي في 10 ديسمبر/كانون الأول 2020، بعد ترسيم علاقاته السرّية بمحمد السادس ملك المغرب، في استئناف للعلاقات الدبلوماسية مع الرباط التي انقطعت سنة 2000.

ودخل نظام المخزن المغربي في موجة تطبيع متسارعة منذ ذلك التاريخ، مسّت المجالات الاقتصادية والتجارية والسياحية والعلمية والثقافية.

وبلغ السيل الزبى عند قدوم وزير دفاع دولة الاحتلال في 24 نوفمبر/تشرين الثاني إلى المغرب، في زيارة وقع خلالها مذكرة تفاهم تحدد “التعاون الدفاعي بين الكيان الصهيوني والمغرب”.

وتخلل هذه الزيارة صلاة يهودية لنصرة جيش الاحتلال على الشعب الفلسطيني، من داخل كنيس “تلمود التوراة” في الرباط.

بيغاسوس يهزّ الثقة بين المغرب و3 دول متوسطية

وضرب تجسس المغرب على مسؤولين سامين في فرنسا وإسبانيا والجزائر عبر نظام بيغاسوس، الثقة الأمنية التي كانت على ضآلتها بين هذه الدول الأربعة.

وفجر تحقيق نشرته 17 مؤسسة إعلامية بقيادة مجموعة فوربيدن ستوريز الصحفية غير الربحية، شهر جويلية/يوليو 2021، فضيحة التجسس على 37 هاتفا ذكيا لصحفيين ومسؤولين حكوميين وناشطين في الدفاع عن حقوق الإنسان.

لكن مع توالي الأسابيع والشهور بدأ يتضح أن المغرب استخدم هذا البرنامج الخاص بشركة (إن.إس.أو) الإسرائيلية لاختراق أجهزة الكترونية لوزراء في الحكومات الفرنسية والاسبانية والجزائرية، طالت حتى هاتف الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون.

وإن كان الحديث عن هذه الفضيحة قد هدأ في فرنسا وتم أخذه بعين الاعتبار في الجزائر، إلا أن البرلمان الإسباني لا يزال يسائل حكومته حول هذا الانتهاك الخطير للسيادة.

أزمة بين الجزائر والمغرب

وتحسست الجزائر اختراقا صهيونيا رهيبا لأمن المغرب العربي واستقرار غرب المتوسط، وحذرت من أزمات ودمار في هذه المنطقة جراء مكائد دولة الاحتلال.

وكان صيف 2021 ساخنا بالنسبة للعلاقات الجزائرية المغربية، وخلاله بدأت تتسارع خطوات القطيعة.

أحد مفوضي المغرب أمميا حاول خلق مطلب “تقرير المصير لشعب القبائل الجزائري”، تلاه استدعاء حازم من الجزائر لسفيرها بالمغرب للتشاور في 16 جويلية/يوليو 2021.

الجزائر طالبت علنًا بتوضيح مغربي لتصريحات مفوضه، إلا أن الرباط صمتت، ما جعل الجزائر تعلن نهاية شهر أوت/أغسطس عن قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب.

واتهمت الجزائرُ المغربَ بالتورّط في الحرائق الضخمة التي مسّت مدنها الساحلية خلال صيف 2021، كما أكدت أنه ساعد العدو الإسرائيلي في عملية تجسس باستخدام برنامج بيغاسوس.

واستنكرت كذلك تهديد وزير خارجية الكيان الصهيوني للجزائر من الأراضي المغربية، منتصف شهر أوت/أغسطس 2021.

كما أعلنت الجزائر وقف توريد الغاز إلى إسبانيا عبر الأنبوب المغاربي، وهو الذي كان يمنح المغرب 65 بالمائة من حاجياته الغازية الداخلية.

وترفض الجزائر إلى اليوم أي وساطة مع الرباط، لاسيما بعد استهداف قوات مغربية لمدنيين جزائريين كانوا في طريقهم المعتاد للتجارة نحو موريطانيا.

إسبانيا تخضع لابتزازات وتنقلب

وأعلنت إسبانيا منتصف شهر مارس/أذار دعم الحكم الذاتي في الصحراء الغربية، في انقلاب واضح من مدريد على الشرعية الدولية.

إعلان استغربته المعارضة الاسبانية والعديد من الحكومات الفدرالية في إسبانيا، وفتح باب مساءلات برلمانية لا نهاية لها حول أسباب كسر حكومة بيدرو سانشيز مبدأ الحياد في القضية الصحراوية.

وعاد إلى الواجهة دور التجسس عبر نظام بيغاسوس على الحكومة الإسبانية، في التغيّر التاريخي لموقف مدريد من مسألة تصفية الاستعمار في الصحراء الغربية.

وبالفعل أقالت مدريد في 10 ماي/أيار 2022، مسؤول الاستخبارات الوطنية الإسبانية “باز أستيفن”، بعد تأكد اختراق برنامج بيغاسوس لهواتف رئيس الوزراء الإسباني “بيدرو سانشيز” ووزير دفاعه “مرغريتا روفليس”.

وفي ابتزاز مغربي-صهيوني آخر، أشارت تقارير نهاية شهر فيفري/فبراير، إلى دراسة الرباط نشر صواريخ إسرائيلية بالقرب من طنجة والناظور قبالة جزيرتي سبتة ومليلية الواقعتين تحت الحكم الإسباني ويعتبرهما المغرب أراضٍ لها محتلة.

وجاءت هذه التقارير على خلفية الإعلان عن صفقة تسلح بقيمة 500 مليون دولار بين المغرب وشركة الصناعات الجوية لدولة الاحتلال (IAI)، من أجل الحصول على منظومة الدفاع الجوي “Barak MX” المزودة بصواريخ يصل مداها إلى 150 كيلومترا.

أزمة بين الجزائر وإسبانيا

وجرَّ التغيُّر المفاجئ للموقف الإسباني من القضية الصحراوية، المتاعب على مدريد التي خسرت معاهدة صداقة مع الجزائر ومبادلات تجارية كانت تدرّ عليها 3 مليار دولار سنويا.

دون الحديث عن ظلام دامس وشتاء بارد قد يضرب بلاد الأندلس بداية هذا الخريف، في حال قطعت الجزائر صادراتها من الغاز الطبيعي نحو إسبانيا.

الغاز الطبيعي يُستعمل في التدفئة وتوليد الكهرباء وتشغيل العديد من الصناعات في إسبانيا.

ومن المُمكن أن يشكّل رفض مدريد مراجعة أسعار الغاز الوارد إليها من الجزائر، أحد المبررات المقنعة لقطع إمدادات الغاز الطبيعي عنها.

كما يُمكِن للجزائر قطعه في حال باعته الحكومة الإسبانية إلى جهة ثالثة لاسيما المغرب.

وتُجمِع التحليلات على أن المغرب قد أدخل غرب المتوسط في نفق مُظلم، من خلال التمكين لدولة الاحتلال في أن تضع موطئ قدم فيه.

لكن العواقب ستكون كارثية على العديد من الدول، ستمتد من دول الساحل والمغرب العربي إلى كامل أوروبا التي تحجّ إليها قوارب المهاجرين غير الشرعيين يوميا.

في وقت يفرض التنسيق المتوسطي نفسه بقوة جراء تداعيات العقوبات الاقتصادية المتبادلة بين روسيا والغرب، والذي يهدد دول العالم بأزمة تاريخية للغذاء والطاقة.

توفيق أقينيني

توفيق أقينيني

صحفي في موقع الأيام نيوز

اقرأ أيضا