“هنية” يعطي درسا في التضحية.. المقاومة.. دماء القادة ليست أغلى من دماء البسطاء !

ما هو ثابت في حرب الإبادة الصهيونية التي تدار مذابحها منذ نصف سنة من طرف المعابد اليهودية وفق عقيدة تطهير عرقي وتهجير قسري لآل غزة، أنّ حجم ما أريق من دماء العزل، أثبت مما لا يدع مجالا لأي شك، أنّ مسمّى “السلام والتعايش” مع خرافة تدعى “إسرائيل”، لم يعد إلا ضربا من ضروب الخيال، فالكيان الصهيوني، ومن خلال محرقة نتنياهو الوحشية، التي أكلت كل أخضر ويابس، أثبت ليس فقط لآل فلسطين الأبية، ولكن للعالم، أنّ مسمّى دولته، ليس إلا منظمة “إرهابية” دولية، لا حلّ معها إلا استئصال جذورها، وإعادتها إلى زمن الشتات، فـ”إسرائيل” بوجهها المفضوح اليوم، لم تترك مجالا حتى “لعرّابيها” من خونتها وأتباعها من الأنظمة العربية وحكام “الذلّ”، لكي يسوّقوا لصورة تطبيعها أو سلامها وتعايشها المزعوم.

وللتوضيح أكثر، فإنّ تلك الحقيقة، ليست فقط وليدة اليوم، ولكنها وليدة الأمس، حيث لا زال التاريخ يحفظ لـ”دافيد بن غوريون”، أوّل رئيس وزراء إسرائيليّ، مقولته الشهيرة، حين أعلنها مستغربا ما يسمى باتفاقيات السلام وذلك من خلال قوله: “لو كنتُ زعيمًا عربيًا فلن أُوقّع أيّ اتفاقٍ مع “إسرائيل” على الإطلاق، فهذا طبيعيّ، نحن أخذنا بلدهم منهم، صحيح أنّ الله وعدنا بها، ولكن كيف من المُمكِن أن تُثير اهتمامهم؟ إلههم ليس إلهنا؟ فلماذا يتقبّلون هذا؟”.

والنتيجة، أنّ ما “خلّده” التاريخ على لسان “بن غوربون”، هو ما نعيش واقعه اليوم، وما جسّده نتنياهو على  أيّ دعوات للتعايش مع “إسرائيل” تحت سماء واحدة، ما هو إلا كذبة اخترعها “الجبن” والخذلان والخيانات العربية، ليبرّر من خلالها حكام “الذل” العربي من أنظمة الخنوع، أيّ صدام محتمل مع الكيان الصهيوني، وكل ذلك حفاظا على عروشهم، وهو العكس الذي “جسّدته” مقاومة فلسطينية من بضع آلاف من رجال التضحية، حين رسّخوا في العالم، من خلال طوفان أقصاهم وغزّتهم، أنّ المفاوضات الوحيدة مع  الكيان، هي التفاوض على خيار من اثنين، فإما أن يرحل أو يجرفه طوفان أقصى، صنع الفارق بين أمس الاستسلام وواقع الصمود والثبات..

المقاومة الفلسطينية من خلال محطة غزة، أعطت درسا للعالم على أن ثمّن الحرية ليس تفاوضا داخل الفنادق، ولكنها دماء “خنادق”، سكبها الرجال على ناصية العطاء ، ومن تضحيات آل غزة من البسطاء والعزل، نساء ورجالا، أطفالا وشيوخا، إلى تضحيات قادة المقاومة بدمائهم ودماء عائلاتهم، من هذا إلى ذاك فإنّ رسالة التضحية الكبرى، جاءت هذه المرة من دماء أبناء وأحفاد زعيم حركة حماس “إسماعيل هنية”، حيث وبصبر الجبال، زفّت عائلة آل هنية للعالم العربي والإسلامي، ليس فقط أبناء وأحفادا ارتقوا إلى ربّهم، ولكن درسا في التضحية عنوانه، أنّ دماء القادة في غزة الصابرين والمرابطين، ليست أغلى من دماء آل غزة من البسطاء، والرسالة التي تلقفتها وسائل الإعلام العربية الدولية، من استشهاد ثلاثة من أبناء رئيس حركة حماس وعددا من أحفاده، أنّ الطاعنين في المقاومة من على مدار أشهر من الدعاية القذرة، التي روّجت على أنّ الموت في غزة للبسطاء فيما قادة المقاومة وعائلاتهم خارج ساحة الحرب متنعمين في الفنادق، هؤلاء الطاعنين، صفعتهم دماء أبناء وأحفاد هنية وقبلها دماء الكثير من القادة وعائلاتهم، لترسّخ ذلك الطوفان من التضحية في الواقع، أنّ غزة رمزا للتضحية من قمتها لقاعدتها، وأنّ طوفان الأقصى، طوفان شعب وأمة وليس لعبة فصيل سياسي، ومجمل القول في استشهاد أبناء وأحفاد هنية، أنّ تلك الدماء الزكية التي سقت أرض الكفاح، أبكمت كل طاعن في قدسية المقاومة، قادة و”غزة” وشعبا أبيا..

المفارقة العجيبة في واقعة استشهاد أبناء وأحفاد زعيم حركة حماس إسماعيل هنية، ليست فقط فيما أظهره الرجل من تجلّد وصبر في مصابه الجلّل، ولكن في أنه في الضفة الأخرى لـ”إسرائيل” الهزيمة والانكسار، تتهاطل الأخبار عن انهيار جيش الكيان الصهيوني، بدءا من فرار جنوده من الميدان، إلى تمرّد مسمّى شعبه على الالتحاق بصفوفه ورفض التوجه لجبهات القتال، وهي الأخبار التي أعلنت عنها وسائل الإعلام الصهيونية واستنفرت حكومة نتنياهو الإرهابية إلى التهديد علنا بسن قوانين، ضدّ يهود السفارديم، وذلك بعد أن توعّد منذ أيام الحاخام الأكبر، المدعو يتسحاق يوسف، بالرحيل من “إسرائيل” إذا ما أجبرت الحكومة أتباعه على التجنيد الإجباري، والنتيجة والأصح المفارقة العجيبة في الواقعتين، أنه في الحين الذي يستقبل فيه قادة المقاومة على رأسهم زعيم حركة حماس “إسماعيل هنية”، خبر استشهاد أولادهم وأحفادهم بفرحة مؤمن قدّم لأرضه فلذات أكباده قربانا لحرية وعقيدة شعب، نجد في الطرف الآخر، حاخام أكبر يتوعّد برمي “إسرائيل” وراء ظهره، إذا ما أجبرت الحكومة فئته بالدفاع عن خرافة حلم “إسرائيل الكبرى”، وطبعا، شتان بين الثرى والثريا، فالفرق واسع، والأرض تعرف أهلها من دماء وتضحيات أبنائها..

مما سبق، فإنّ غزة ومن خلال طوفان أقصاها، أعطت لكل شعوب المعمورة درسها الواضح، ليس فقط في التضحية ولكن في تعرية الوهم الصهيوني وقادته، ففيما قادة “الشتات” وحاخامات المعابد، يدفعون غصبا ودفعا أبناء “جلدتهم” إلى أتون معركة طاحنة، للدفاع عن “سلطة” نتنياهو واستمراره، مع رفض وتمرّد لشباب الكيان الصهيوني، فإنّ المقاومة في غزة الأبية، بقدر ما راهنت على دماء شعبها، فإنّ نصيبها من الدماء كان قادة وعائلات قادة، هُم الميدان، وهم حرب الخنادق، ضدّ لعبة الفنادق، التي تورّطت فيها السلطة الفلسطينية في رام الله، لتطعن من خلالها كفاح شعب، يعلم يقينا من خلال مقاومته، أنّ ما أوخذ بالقوة لن يستعاد إلا بالقوة، فالمعركة أكبر من طاولة مفاوضات ولكنها ملحمة دماء عنوانها، أنّ التضحية تكون من حجم قدسية القضية، والمؤكد أنّه لا يوجد أقدس من أن تكون ابنا للأقصى، طوفانا وشعبا وصلاة ثابتين..

آخر الكلام ومنتهاه، دماء غزة شعبا وقيادة، صفعت كل المشكّكين في مقاومة عنوانها، أنّ للرجولة “غزتها” وقادتها أيضا، كما أنهت كل أوهام التطبيع والسلام على حساب المقاومة، التي ستظلّ الوجه الوحيد لفلسطين الصمود، وعداها، فإنّه من إمارات “الخزي والعار”، إلى مملكة السادس المغربية وصولا إلى عرش بن سلمان السعودي فمصر الشاويش “عتريس” أو السيسي، لا حق لأيّ كان من أنظمة العار، للتكلّم باسم فلسطين وأطفال ونساء ودماء غزة، فوحدها مقاومة الآباء والأبناء والأحفاد، من يحقّ لها الكلام باسم الدماء التي سقت الأرض، لكي تكون اللسان بعد أن كانت هي “سنان” غزة وطوفان أقصاها، فانقشعوا يا آل الخذلان، فإنّ لغزة دماء سقتها وترويها وتصدح باسمها ورسمها إلى يوم يبعثون..

أسامة وحيد - الجزائر

أسامة وحيد - الجزائر

اقرأ أيضا