واحد من شهداء “طوفان الأقصى”.. عمر دراغمة.. رمز المُقاومة الفلسطينية وأيقونة الثبات على الحقّ

كان عمر دراغمة ـ الشيخ الفلسطيني المعروف بانتمائه لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) ـ شخصية ميّزها رفضُه القاطع للاحتلال الصهيوني في جميع مظاهره وأشكاله العسكرية والسياسية، وعُرف بتفانيه في الدفاع عن الأرض الفلسطينية، مؤمنًا بضرورة الصمود والسعي إلى التحرير من خلال المقاومة وليس بالمفاوضات، وقد انتهت مسيرته بالاستشهاد في ميدان الشرف أثناء عملية “طوفان الأقصى” التي أطلقتها المقاومة في أكتوبر 2023.

ولِد الشيخ عمر دراغمة، المعروف أيضًا بلقب “أبو النمر”، في مدينة طوباس بشمال الضفة الغربية في 24 أوت 1965. نشأ في أسرة متدينة ملأت حياته بقيم النضال والتضحية. درس الشيخ عمر في مدارس طوباس الأساسية وعمل وهو شاب في الزراعة، ممارسًا نشاطًا يوميًا شبيهًا بشبان جيله في المنطقة.

منذ صغره، برز الشيخ عمر بجرأته ووطنيته وقلبه النقي وتعاونه مع الناس، وكل هذه الصفات ساهمت في تشكيل شخصيته وجعلته مؤثرًا بين أقرانه وفي مجتمعه. كان ملتزمًا بالإصلاح وخدمة المجتمع منذ سنوات مبكرة.

بعد إكماله مرحلة التعليم الأساسي، انتقل إلى المدرسة الصناعية في مدينة نابلس بشمال الضفة الغربية. وتمكن من الحصول على شهادة الثانوية العامة بتخصص الصناعة بنسبة نجاح 74%. مستواه الجيد في التحصيل سمح له بالالتحاق بجامعة “بوليتكنك” بفلسطين في مدينة الخليل بجنوب الضفة. درس هناك وتخرج بشهادة في هندسة العمارة في 23 نوفمبر 1986.

اكتسب عمر دراغمة معرفة وثقافة واسعة من خلال قراءاته الشخصية وتوجهاته المعرفية. كان متأثرًا بالفكر الوطني وروح المقاومة دون أن يتبنى توجهًا أو يتلقى تدريبًا معينًا. كان معروفا بحبه للقرآن الكريم والالتزام بتعاليمه. حرص على أداء الصلاة بتفانٍ وإيمان كبيرين بمساجد طوباس، خاصة “مسجد الشهيد” القريب من منزله.

مَسيرةٌ نِضاليّةٌ.. حافلَة

تأثر عمر دراغمة بالأحزاب السياسية في فلسطين. انضم أولًا إلى صفوف حركة التحرير الوطني الفلسطينية (فتح)، ولم تمنعه الاعتقالات الصهيونية المتكررة من النضال من أجل الحرية. تعرض للاعتقال مرات عدة بين عامي 1987 و1991، حين أمضى نحو سنتين تحت الاعتقال الإداري دون توجيه تهمة معينة له. تم جرى اعتقال ابن عمه، عقاب نمر دراغمة في 5 ماي 1991 بعد إصابته برصاص الجيش الصهيوني، وانضم إلى قائمة الشهداء بعد 11 يوما من إصابته في ظروف تشابهت مع استشهاد عمر دراغمة فيما بعد.

بعدها، قرر الانضمام إلى حركة حماس في 5 أفريل 2002. وكان شقيقه أشرف دراغمة قد تعرض لقصف بالطائرات الصهيونية، وأعلن عن استشهاده بعد هذا الهجوم. واستهدفت الطائرات الصهيونية أيضًا خلية تابعة لكتائب القسام، الجناح العسكري لحماس، في مدينة طوباس.

مرت سنوات، وأصبح عمر دراغمة أحد قادة حماس. تعرض هو وعائلته لاستهداف متكرر من قبل الاحتلال الصهيوني والأجهزة الأمنية الفلسطينية، قبل اعتقاله وأبنائه الثلاثة، كما تم استدعاؤه للتحقيق عدة مرات.

في عام 2018، وبعد نحو 30 عامًا من اعتقاله السابق، تعرض عمر دراغمة للاعتقال مرة أخرى وحكم عليه بالسجن الإداري لمدة 4 أشهر. وفي 9 أكتوبر 2023، داهم الاحتلال منزله في طوباس ليعتقله هو ونجله حمزة.

منذ انضمامه إلى حماس، اتجه عمر دراغمة نحو العمل المسلح، معتبرًا أن “البندقية” هي وسيلة أولى للدفاع عن الأرض والقضية. كان يؤكد كل مرة على أهمية أن تظل حماس ملتزمة بهذه الوسيلة للدفاع عن القضية الفلسطينية.

الوظائف.. والمسؤوليات

على الرغم من تخصصه في هندسة العمارة، لم يعمل الشيخ عمر دراغمة في مجال تخصصه الجامعي، كما أنه لم يشغل مناصب رسمية ولم ينل وظيفة حكومية. بدلاً من ذلك، انخرط في العمل خارج حدود الضفة الغربية لتأمين الحد الأدنى من المعيشة الكريمة لأسرته.

لينضم بعد ذلك إلى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) لمدة خمس سنوات قبل أن يُفصل من وظيفته بسبب انتمائه لحركة حماس. لم ييأس عمر بسبب هذا القرار، وقرر العمل بشكل حر. ففتح محلا للبقالة وجعله مصدر رزق يؤمن به حاجيات عائلته.

في أعقاب فوز حماس في انتخابات المجلس التشريعي عام 2006، توظف في وزارة الحكم المحلي في طوباس. ولكن هذا التوظيف لم يستمر فترةً طويلة، إذ تم إقالته، مثل العديد من زملائه الذين تم تعيينهم في الحكومة آنذاك، بعد أحداث الانقسام في جوان 2007. فعاد إلى التجارة لبعض الوقت قبل أن يعاوده شغفه بالزراعة التي اشتغل فيها منذ نعومة أظفاره. واستمر في هذا العمل حتى تم اعتقاله مجددا من قبل الاحتلال.

هذا، ووجد عمر دراغمة نفسه منخرطا في الأنشطة السياسية المحلية؛ شارك في انتخابات المجلس البلدي في طوباس على قائمة حماس مرتين، إحداها تعثرت، والأخرى لم تكن ناجحة. لكنه استمر في أداء دوره في العمل المجتمعي والأهلي.

الاغتيالُ.. تحت قيودِ الاعتقَال

في تاريخ 9 أكتوبر 2023، تم اعتقال الشيخ عمر دراغمة ونجله حمزة من قبل القوات الصهيونية، في عملية تم خلالها خلع البوابة الرئيسة لمنزله قبل واقتحامه. وبعد مرور أسبوعين فقط من اعتقاله، في 23 أكتوبر 2023، أُعلِنَ عن وفاته داخل سجن مجدو بشمال فلسطين المحتلة نتيجة التعذيب الوحشي الذي تعرض له. هذا الاغتيال استنكرته حركة حماس ومنظمات فلسطينية مختصة في شؤون الأسرى.

حميد سعدون

حميد سعدون

اقرأ أيضا