واشنطن والكيان الصهيوني.. الانحياز الثابت !

للمرة الألف، تقف الولايات المتحدة الأمريكية إلى صف الكيان الصهيوني، بالتأييد والمساندة، ليس لسلوكاته العدوانية وصلفه المتزايد ضد السكان العرب في فلسطين والمشرق العربي فحسب، وإنما في استعلائه على الشرعية الدولية والقيم الإنسانية كذلك، في تَحَدٍّ واضح وتَعَدٍّ فاضح للقرارات والقوانين الأممية، الملزمة عرفا وقانونا بضرورة احترام المعابد والمساجد والشعائر والمقدّسات الدينية للأفراد والجماعات، وفوق هذا وجوب حماية الدماء والأرواح للمدنيين العزل خاصة الأطفال والنساء والعجزة.

فللمرة الألف كذلك، تؤكد السلوكات الهمجية لهذا الكيان المتغطرس، بأنه “مولود غير شرعي” للأسرة الأممية، يتحرك دوما خارج أطر الشرعية الدولية، شاذا متمردا على كل الأعراف والمواثيق الإنسانية، المتعارف والمتفق عليها أخلاقيا وأمميا وتاريخيا، سياسته في ذلك زرع الإرهاب ونشر الفوضى وإشاعة الخراب، حتى لا يبقى في المشرق كله سوى هذا “الكيان القاتل” مستقرا آمنا، فتقام الحجة على العرب والمسلمين بأنهم أهل قتل وإرهاب.

ومع آخر عملية عدوانية يقوم بها الكيان الصهيوني في فلسطين وسوريا وجنوب لبنان، وفي خضم حملة دولية تأرجحت بين الشجب والتنديد، خرج المتحدث باسم الخارجية الأمريكية ليؤكّد للعالم بأن الولايات المتحدة “تقف إلى جانب” (إسرائيل)، على خلفية الهجومين الذين أسفرا عن مقتل ثلاثة أشخاص في تل أبيب والأراضي الفلسطينية، كما استطرد، من دون الإشارة إلى الدوافع الحقيقية للهجومين، مدعما كلامه بشيء من الاتزان وكثير من النفاق: “إن استهداف مواطنين أبرياء من أي جنسية غير مقبول”، في إشارة إلى مقتل السائح الإيطالي والشقيقتين الصهيونيتين فقط، من دون التلميح لـ”القتلى” الفلسطينيين ضحايا الغطرسة الصهيونية المستمرة منذ أكثر من سبعين عاما.

على الأرض، ومن الجانب الصهيوني، قالت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»؛ إن رئيس الوزراء الصهيوني «بنيامين نتنياهو»، يريد تجنّب التصعيد على عدّة جبهات، معتبرا أنه لا يمكن جر (إسرائيل) إلى مواجهات مع حماس وحزب الله وسط تصاعد العنف بالداخل، ووفق الصحيفة، فقد قال «نتنياهو» في اجتماع تشاوري مع وزير الدفاع الصهيوني «يوآف غالانت»، ووزير الخارجية «إيلي كوهين»، ووزير الأمن القومي «إيتامار بن غفير»، ووزير الشؤون الاستراتيجية «رون ديرمر»، وكبار أعضاء المؤسسة الأمنية الصهيونية، بإن على الكيان الصهيوني، تجنب الانجرار إلى المواجهات والصراعات على نطاق أوسع وتقديم جبهة موحدة، وذلك بعد أشهر من الاضطرابات الداخلية الشديدة التي أشعلتها حملة “الإصلاح القضائي” للحكومة.

كما نقلت «القناة 12» الصهيونية عن المتطرف «نتنياهو» قوله في الاجتماع المشار إليه: “هناك خلافات كافية داخلنا حول قضايا أخرى، نحن نواجه تحديات من كل مكان- في المعارضة وفي الشارع”، كما أردف معلقا عن المسائل الأمنية؛ “نحن بحاجة إلى تجنب الخلافات غير الضرورية داخل الحكومة، فالائتلاف الحكومي بحاجة إلى إظهار القوة والوحدة”.

وعليه، فإن كل الأصداء الواردة من قلب سلطة الكيان الصهيوني، تجمع على حالة التوتر والرهبة التي يعيشها القادة الصهاينة، بدليل أن مجلس وزراء الأمن القومي المصغر «الكابينت» الصهيوني لم يجتمع منذ أكثر من شهر، وهو الهيئة التي عادة ما تجتمع بصورة يومية منتظمة خلال فترة التوترات الإقليمية المتزايدة، أو كلما أحست بخطر يحوم، وقد أرجع المتابعون للشأن الصهيوني هذا التردد والارتياب، إلى تردد رئيس الحكومة الصهيوني «نتنياهو» نفسه في الدعوة إلى هذه الاجتماعات، وذلك بسبب عدم ثقته في مواقف أعضاء اليمين المتطرف في حكومته، خصوصا «بن غفير» وزير الأمن القومي، ووزير المالية «بتسلئيل سموتريتش»؛ الوزيران الأكثر تطرفا، واللذان لم يتركا أية فرصة لانتقاد رد الفعل الصهيوني إزاء ما أسمياه “الإرهاب الفلسطيني”، في إشارة إلى نشاط المقاومة الفلسطينية، ودعيا إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة، لدرجة أن «بن غفير» هذا، صرح بأنه يفكر في ترك حكومة «نتنياهو» بسبب فشلها في الرد بـ”القوة الكافية” على الفلسطينيين. فيما ذهب زميله «سموتريتش» إلى القول أما أنصاره بأن صبره على الحكومة قد بدأ ينفد، على خلفية تعاملها “المحتشم” مع “الإرهاب الفلسطيني”، على حد زعمه.

من زاوية أخرى، تتوافق التقارير الصحفية المتابعة للشأن الصهيوني، على أن هناك خلافا استراتيجيا قد طفا إلى السطح بين الجيش الصهيوني والموساد حول طريقة التعامل مع الوضع؛ فالموساد يفضل العمل ضد «حزب الله» وضد «حماس» في الوقت ذاته، فيما أيد وزراء الحكومة سلطة الكيان موقف الجيش المتمثل في التركيز على «حماس» لوحدها، مؤكدين أنه ليس من مصلحة الكيان الصهيوني في الوقت الحالي، الشروع في عملية عسكرية شاملة، مفضلين ردا أكثر دقة على إطلاق الصواريخ، خاصة وأن «حزب الله» لم يعلن صراحة تبنيه لعملية إطلاق الصواريخ، وأنه يعمل على اتخاذ كل الإجراءات الاحترازية لإظهار عدم تورطه في العملية برمتها، وهو الموقف الذي تريده سلطات الكيان الصهيوني في الوقت الراهن، حتى لا تظهر بموقف محرج قد يكشف ضعفها في حال اتساع رقعة المواجهة والقتال، والتي يمكن أن تجعل من المستوطنات والمدن الصهيونية أهدافا شرعية ودقيقة في مرمى صواريخ «حزب الله» اللبناني.

بالمحصلة، يذهب بعضُ المحللين إلى اعتبار الصدع الحاصل غير المسبوق، بمثابة مقدمة لشرخ أكبر بدأت دلائله تحوم في الأفق وتتشكل معالمه في الميدان، مؤذنة بتسرّب الوهن والريبة والشك إلى مفاصل الكيان الصهيوني، والتي ظل زبانيتها يعتقدون بأن مزيدا من الغطرسة والعدوان، يكسبانها المزيد من القوة والصلابة، إلا أن الحقائق التاريخية ودورة الأيام، قد أثبتت عكس ذلك، فمع كل هزّة أو صدمة أو صراع، يهتز «الكيان» من أساساته، فيستردّ السؤال التاريخي الصاعق أنفاسه: هل هي النهاية قد قربت، أم أن موعد الرحيل قد حان؟ فهم يدركون أكثر من غيرهم، بأنهم مجرّد “كيان شاذ” تم تأسيسه بقوّة الحديد والنار، ظلما ونهبا ولصوصية واستدمارا، فلا بد له حتما من زوال.

مصطفى بن مرابط - الجزائر

مصطفى بن مرابط - الجزائر

كاتب في الأيام نيوز

اقرأ أيضا