6 أشهر من العدوان.. مسار الانزلاق الصهيوني نحو الهاوية

بعد مرور 180 يوما على حرب الإبادة الجماعية الشاملة التي يشنّها الاحتلال الصهيوني ضدّ المدنيين في غزة، يُجمع العالم أنّ الكيان المتفوّق ماديا وعسكريا – سواء من حيث أعداد القوات أو الإمكانات التسليحية (طائرات، صواريخ، مدرعات، ودبابات ومدافع) – فشل في تحقيق أبسط أهدافه الإستراتيجية المسطّرة، أمام مقاومة فلسطينية، تمثّل المفهوم الأسمى للقوة: الإيمان بالقضية، الذكاء التخطيطي الفائق، الدقة المشروطة بسرعة الأداء ونزعة التنفيذ الفدائي، وكلها قيم تختصر روح الشجاعة لدى أبطال غزة الذين نجحوا في قلب معادلة الصراع بالشرق الأوسط لصالحهم، حين فرضوا منطقهم على الأرض ودفعوا عدوهم إلى تجرّع الهزيمة بمختلف مستوياتها.

=== أعدّ الملف: حميد سعدون – سهام سوماتي – منير بن دادي ===

أسفرت معركة “طوفان الأقصى” – التي بدأت بهجوم مفاجئ شنّته فصائل المقاومة الفلسطينية في 7 أكتوبر 2023 على الكيان الصهيوني – عن مقتل أكثر من 1200 إسرائيلي وإصابة ألفين آخرين واحتجاز أكثر من 240 شخصا لدى ترفض حركة المقاومة الإسلامية (حماس) تسليمهم إلا بعد الاستجابة لشروطها.

ودفع هذا الوضع المزري بالنسبة إلى الكيان المحتل رئيس وزراء سلطة الاحتلال – مجرم الحرب – بنيامين نتنياهو فورا إلى الإعلان أنّ “إسرائيل” “في حالة حرب وأنّ الجيش الصهيوني سينتقم”، وظن أغلب المحللين أن مسألة انتصار الاحتلال على المقاومة أمر حتمي، على أن يبقى النقاش دائرا حول الإطار الزمني لهذا الانتصار المفترض وتكلفته.

لكن التطورات على الواقع – ما بين حرب الإبادة التي تشنها قوات الاحتلال ضد المدنيين في غزة ومعركة “طوفان الأقصى” التي تواصل المقاومة خوضها ضد العدو – أثبتت في مرحلة أولى أنّ الاحتلال عاجز عن تحقيق النصر، ثم تغيّر هذا المفهوم ليأخذ صيغة مفاجئة مفادها: أنّ الاحتلال عاجز عن تفادي الهزيمة.

والآن – بعد 180 يوما – تجاوز أغلب المعلقين ذلك النمط من الأسئلة المتعلقة بإمكانية انتصار المقاومة أو هزيمة الكيان، وحسموا النقاش – نهائيا – بتأكيد الحقيقة الثابتة وهي أنّ المقاومة انتصرت بالفعل: عسكريا وسياسيا، قانونيا وأخلاقيا، إعلاميا ودبلوماسيا، على أرض غزة وفي الداخل الصهيوني.

وأمام هذه الحقيقة التي صدمت الاحتلال وحلفاءه، انفجر الغيظ الصهيوني على لسان ذلك النائب الأمريكي – من الحزب الجمهوري – “تيم والبيرغ” عندما سُئل عن إرسال بلاده مساعدات إلى غزة، فأجاب “لا أعتقد أنه ينبغي لنا ذلك (..) لا ينبغي لنا أن ننفق سنتا واحدا على المساعدات الإنسانية”.

لكن “والبيرغ” (72 عاما) النائب عن جنوب ميشيغان، لم يكتف بهذا – خلال رده على سؤال من أحد الناخبين في 25 مارس المنصرم – بل نطق عبارته الجنونية قائلا: “اقضوا عليهم مثل ناغازاكي وهيروشيما”، وذلك في إشارة منه إلى مشهد إلقاء الولايات المتحدة قنبلتين ذريتين على المدينتين اليابانيتين.

وحتى هذه اللحظة يواصل متظاهرون إسرائيليون نصب أكثر من 100 خيمة أمام مبنى الكنيست الصهيوني (البرلمان) في القدس المحتلة – في إطار الاحتجاجات المطالبة برحيل حكومة سلطة الاحتلال المنهزمة – وبإبرام صفقة تفضي إلى إطلاق سراح المحتجزين الإسرائيليين لدى المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة.

وحول مفهوم النصر والهزيمة، كان الكاتب الإسرائيلي، يوفال نوح هراري، قد اعترف أنّ المقاومة تقترب من إلحاق هزيمة بالاحتلال لأنّ “(الحملة) في غزة لا تتعلق بمن يقتل المزيد من الناس، بل بمن يقترب من تحقيق أهدافه السياسية”، مضيفا أنّ الأهداف السياسية لدى المقاومة، “واضحة تماما” وقد تحقّق بعضها بالفعل، بينما لدى الكيان فهي “غامضة، بل غير موجودة”.

وقال الكاتب في مقالة نشرتها صحيفة “يديعوت أحرنوت” “إننا قادرون على كسب جميع المعارك لكننا سنخسر الحرب… أهداف حماس واضحة تماما. وعلى المدى القريب، كان هدف حماس في 7 أكتوبر هو تخريب الاتفاق الناشئ بين الكيان والمملكة العربية السعودية… وهو ما أوقفته حماس فعلا”.

ما الذي حقّقته المقاومة حتى الآن..

الإنجازات الإستراتيجية العشرة

بينما يحاول رئيس سلطة الكيان الصهيوني – مجرم الحرب  -“بنيامين نتنياهو”، إعطاء الانطباع بأنّ الانتقادات الموجهة – من الداخل الصهيوني ومن الغرب – إلى أدائه في العدوان العبثي على غزة، والذي يرتبط بحسابات تخصّ مستقبله السياسي، تم الكشف عن وثيقة مفصّلة تتضمن تعداداً لـ10 إنجازات إستراتيجية حقّقتها حماس في مواجهة الاحتلال، والمفارقة أنّ صاحب الوثيقة نائب عن حزب “الليكود”.

وأكدت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية، أنه في الوقت الذي يقود فيه نتنياهو، حملةً بعنوان “نصر مطلق”، يصرّح وزراء وأعضاء “كنيست” من حزب “الليكود” أن نتنياهو يسير في الاتجاه المعاكس تماماً، وينتقدون بشدة سير العدوان في قطاع غزة والتناقضات بين شعاراته وتصريحاته وبين النتائج على الأرض.

وتوقفت الصحيفة عند تعداد عضو “الكنيست” عن حزب “الليكود” عميت هليفي، في وثيقة مفصّلة، 10 إنجازات إستراتيجية لحركة حماس في المعركة الحالية، بوصفه حقائق تنسف أفكار نتنياهو حول “النصر المطلق” من داخل حزبه.

ونقلت الصحيفة عن هليفي قوله – يوم الأربعاء 27 مارس – إنّ “غدعون ساعر كان محقاً في انتقاده لسلوك حكومة الحرب”، معتبراً أنّ 10 إنجازات إستراتيجية حققتها حماس على حساب الاحتلال هي “نتيجة محزنة”.

وبحسب الصحيفة، فإنّ من بين إنجازات حماس المفصّلة في وثيقة هليفي: المفاجأة والنجاح العسكري، والدولة الفلسطينية كمطلب نهائي ومتزايد في المنظومة الدولية، ودعم المثقفين الغربيين والتبرير الأخلاقي الذي أعطوه لحماس، وإلحاق الضرر بتماسك المجتمع الصهيوني من خلال استخدام الأسرى بهدف تغيير ميزان الوعي من الغضب والانتقام إلى التراجع و”بأي ثمن”.

ومن الإنجازات أيضاً فتح جبهات إضافية ضدّ الاحتلال، وإجلاء نحو 80,000 شخص إسرائيلي، والعزلة السياسية للكيان”، وانتشار موجة من “معاداة السامية” في جميع أنحاء العالم، والحصار البحري الفعال ضد الكيان، والأضرار الاقتصادية والسياحية التي لحقت بها.

وأكدت الصحيفة أنّ هليفي ليس وحده في حزب “الليكود” الذي ينتقد سلوك المستوى السياسي، فقد قال عضو “كنيست” آخر من “الليكود”: “كل الدلائل تظهر أننا لا نقوم حقاً بما نحتاج فعلاً إلى القيام به في غزة. نتنياهو يراوح ويماطل”.

الإخفاق الأكبر في التاريخ

ومن جانبه، رأى رئيس سلطة الاحتلال الأسبق إيهود باراك عما يجب أن يحدث أكثر، كي يخرج مئات آلاف الإسرائيليين إلى الشوارع ويعطّلوا المؤسسات، مع عائلات الأسرى والقتلى والمستوطنين النازحين، ولا يعود سير الحياة الطبيعية إلا بعد تحديد موعد فوري للانتخابات.

وتحدّث باراك عن 3 إخفاقات للاحتلال الصهيوني، الأول، يتمثل في هجوم 7 أكتوبر 2023، وهو “الإخفاق الأخطر” في تاريخ الكيان بحسب رأيه، مع 1200 قتيل و250 أسيراً تمّ التخلّي عنهم.

أما الإخفاق الثاني، فهو المراوحة والتخبّط في (الحرب) على غزة، رغم مرور ستة أشهر وتكبّد مئات القتلى وآلاف الجرحى والمعوّقين والمأزومين نفسياً، ويؤكد أنّ النصر لا يزال بعيداً.

وتوقّف باراك عند نازحي الشمال المتروكين لمصيرهم، وحرب الاستنزاف التي قد تتوسّع في أي لحظة إلى حرب شاملة مع حزب الله، لافتاً إلى أنّ في الضفة الغربية احتمالية انتفاضة ثالثة تغلي تحت سطح الأرض.

وأكد باراك أنّ العلاقات مع الولايات المتحدة تتدهور إلى حضيض غير مسبوق وعدائية قاسية بين نتنياهو وبايدن، مشدداً على أنّ “إسرائيل” مرتبطة بالولايات المتحدة بشكل حساس لتوفير السلاح والمال، ولبلورة خطة عملية لـ”اليوم التالي”، ولتوفير شبكة أمان دبلوماسية لها في مجلس الأمن وفي محكمة العدل الدولية.

ورأى باراك أن الإخفاق الثالث يتمثّل في المسار الاستراتيجي الأجوف والخطر لـ(الحرب)، لأنّ نتنياهو متلعثم ولا يتخذ قرارات إستراتيجية في أي موضوع: لا رفح، لا الأسرى، لا المساعدات الإنسانية، لا الشمال وحزب الله، لا “اليوم التالي”، ولا العلاقات مع الولايات المتحدة.

وأكد باراك أنه بغياب قرارات إستراتيجية، يتخبّط الكيان في الوحل ويراوح مكانه، ويخسر الإنجازات التي كانت بين يديه. وبدلاً من اتخاذ قرارات إستراتيجية، يخادع نتنياهو الجمهور بتصاريح مقتضبة جوفاء، امتُحِنَت في استطلاعات الرأي.

وذكّر باراك أن ديفيد بن غوريون، ومن بعده كلّ خلفائه، كانوا يعتقدون أنّه ممنوع على “إسرائيل” الخروج إلى حرب شاملة دون قوّة كبرى عالمية إلى جانبها، وأنّ الحرب يجب أن تكون قصيرة ومركّزة، تسعى إلى الحسم السريع على الأرض، وأنّ على “إسرائيل”، قبل الحروب وخلالها، التمسّك دائماً بـ”موقع التفوّق التقليدي” كي تسمح بترجمة الإنجاز العسكري إلى سياسي، معتبراً أنّ نتنياهو فشل فشلاً ذريعاً في هذه العناوين الثلاثة، إذ انشغل عن الأمن بحسابات بقاء ائتلافه.

مصير الأسرى وأهلية نتنياهو وإسقاط الحكومة

ورأى باراك أنّ عودة الأسرى في توابيت سيلحق وصمة عار أبدية بمن ساهم في ذلك ومن وقف جانباً، لافتاً إلى أنّ رئيسي “الموساد” و”الشاباك” ومسؤول ملف الأسرى، ليس لديهم بعد التفويض المطلوب للمناورة في المفاوضات بغية التوصل إلى صفقة وإعادة من بقي منهم حياً إلى البيت.

وأكد باراك أنّ الصفقة ستكون قاسية ومؤلمة في جميع الأحوال، ولكن عدم استغلال الفرص لتحريرهم، وانتظار أشهر طويلة إلى أن يتحقّق “نصر مطلق” هو أمر لا يوجد ما هو أكثر مراوغة منه.

وأكد باراك أن لا قرارات إستراتيجية على المستوى السياسي لنتنياهو الذي يغرق في تناقض مصالح مستحيلة بين اعتبارات بقاء شخصية واعتبارات أمنية، مضيفاً “كوني أعرفه جيّداً، أنا على قناعة أنّ نتنياهو اليوم غير جدير أبداً بمنصب رئيس الحكومة”.

اهتزاز ما تبقّى من هوية الكيان

ورأى باراك أنّ الوضع الأدائي الذي تدحرج نحو نتنياهو تدريجياً منذ تسلّم السلطة، خلال أزمة كورونا، في الجولات الانتخابية، وضمن خطة التعديلات القضائية والحرب، كلّ هذا أفقده التوازن وأتلف فاحص الواقع لديه. متحدثاً عن “فشل ذريع في إدارة الحكومة والحرب”.

ورداً على الذين يؤيدون إكمال الحكومة ولايتها، رأى باراك أنّ الظرف غير عادي، وأن الحرب التي تشير إلى أخطر حادث في تاريخ الكيان والمرشحة للتوسع إلى حرب إقليمية، صاحبتها هزة سياسية أدائية وبشرية غير مسبوقة، وسبقها صراع عاصف على هوية الكيان.

وأشار باراك إلى أنه للمرة الأولى يرضخ رئيس الحكومة لإملاءات حزب عنصري يشارك في الحكومة، معتبراً أن الثمن كان ضرب المصلحة القومية والمعايير المناسبة للسلطة .

وأكد باراك أن نتنياهو فقد ثقة الجمهور، إذ تشير الاستطلاعات إلى أنّ 80% من الجمهور يعدّونه مسؤولاً مركزياً عن الإخفاق، وأكثر من 70% يتوقّعون أن يستقيل من منصبه.

وأكد باراك أن المطالبة بانتخابات فورية، ليست طلباً لمعاقبة المسؤولين عن إخفاقات السابع من أكتوبر، وما يتعلق بالإدارة الإستراتيجية الفاشلة خلال أشهر الحرب الستة، بل هي مطلب للمستقبل، مشدداً على أنّ الكيان أمامه امتحانات قتال أصعب بكثير مما عرفه، ومفاوضات ودبلوماسية معقّدة جداً، وتحديات ترميم الردع مقابل أعدائها، وتجديد القوة المحاربة، وهو ما لن تستطيع فعله القيادة الحالية التي فشلت.

وأكد باراك أن لا سبيل لتوقّع كيفية سقوط الحكومة، معتبراً أنه قد ينجم عن معرفة بن غفير وسموتريتش بأنّ نتنياهو ينكفئ أمام الضغط الأمريكي، أو عن تأكّد الحريديم بأنّ نتنياهو لن يستطيع الاستمرار في تأمين أموال دعم طلاب المدارس الدينية، وقد يأتي من اضطرابات داخل “الليكود” على خلفية إجراءات يبدو أنّها تؤدي إلى انتخابات، وربّما يكون نتيجة تضافر أكثر من مصدر من هذه المصادر معاً. وختم باراك بتحميل الزعماء السياسيين لدى الكيان مسؤولية استمرارها في الانزلاق نحو الهاوية، محرّضاً إياهم على التحرّك وقلب الطاولة.

حرب الموت البطيء على الجبهة اللبنانية

يتحدث الخبراء والمعلقون عن الاستنزاف الذي يعيشه الكيان الصهيوني في حربه مع حزب الله في “الشمال”، وبعضهم يحذّر من أنّ حزب الله يستطيع متى يشاء تكرار هجوم السابع من أكتوبر، وإطلاق 5 آلاف قذيفة يومياً على الكيان.

الواقع الصعب الذي يعيشه الكيان فيما يسمى “الجبهة الشمالية” على الحدود اللبنانية – الفلسطينية مع حزب الله، حضر في قراءات وتقديرات عديدة قدمها كبار الخبراء والمعلّقين الإسرائيليين، الذي رأوا أنّ حزب الله حقق إنجازاً إستراتيجياً بإخلائه الشمال من سكانه، إضافةً إلى الإنجازات الميدانية من أضرار بنى تحتية ومنازل في المستوطنات.

وحذّر خبراء ومعلقون من أنّ الواقع الحالي هو استنزاف صعب لـ”إسرائيل” يمارسه عليها حزب الله، الذي بات يمتلك قوة، يُمكن أن تسحق القوات البرية لـ”الجيش” الإسرائيلي في أيِّ حرب واسعة.

وحذّر محلل الشؤون العسكرية في موقع “والاه” الإسرائيلي، أمير بوحبوط، في مقال نشره، من أنّ حزب الله على الرغم من الهجمات الصهيونية ضده، لم تتضرر تشكيلاته النارية بطريقة تمسّ باستمراريتها الوظيفية. وثمّة في “إسرائيل” من يؤكد أنه بعد ستة أشهر من القتال، وبعد استخدام “إسرائيل” لآلاف الذخائر من الأرض والجو، لم تصب مراكز ثقل حزب الله في جنوب لبنان بشكل قاطع، ولم تلحق أضراراً جسيمة بأيٍّ منها بضربات “الجيش” الصهيوني.

في مشهد تدمير مستشفى الشفاء..

“النجاح” الفاشل إذ يتجسّد

يمثّل الدمار الهائل الذي ألحقته القوات الصهيونية بمستشفى الشفاء غربي مدينة غزة جزءا من خطة الاحتلال الممنهجة لتحويل قطاع غزة كله إلى مكان غير قابل للحياة من خلال حرمان السكان من الخدمات الصحية حتى يضطروا إلى الهجرة، كما يمثّل الهجوم، انتقاما بشعا من المدنيين على غرار ما حدث في مجزرتي صبرا وشاتيلا (بين 16 و18 سبتمبر 1982).

وفي حين تزعم سلطة الاحتلال استخدام حركة المقاومة الإسلامية حماس المستشفى في عمليات عسكرية، فإنها عمليا هي من قامت بهذا الفعل المخالف لكل القوانين الدولية، لأن رئيس الأركان هيرتسي هاليفي نفسه وصل إلى المستشفى واستخدمه كمقر عسكري.

ورغم بشاعة الجريمة من الناحية الإنسانية والقانونية، إلا أن العملية ناجحة من وجهة النظر الصهيونية، لأنها حققت جزءا من خطتها الممنهجة لتدمير كل مقومات الحياة في القطاع، كما أن تصريحات رئيس الأركان الصهيوني عن نجاح العملية تؤكد أن الشفاء جزء من خطة أكبر لتقطيع القطاع وتدميره، وبالتالي السيطرة على مناطق محددة وتهجير سكانه.

والملفت للانتباه أن تدمير المستشفيات ليس عملا عشوائيا ولا دعائيا، بل يأتي كتنفيذ فعلي على الأرض لعملية التهجير، ومع ذلك، فإن هذه الإستراتيجية ستكون لها تداعيات كارثية على الكيان مستقبلا، لأنها من الناحية العملية لم تتمكن من تحرير أسير واحد عن طريق الحرب بل إنها قتلت الكثير منهم خلال العمليات.

ويبدو أن الكيان المحتل لم يبق أمامه سوى التدمير من أجل التدمير، بالإضافة إلى قتل النساء والأطفال والمرضى والعاملين في قطة الصحة، فقد قتلت قوات الاحتلال 340 من أفراد الطواقم الطبية في غزة واعتقلت آخرين – بينهم مدير مستشفى الشفاء محمد أبو سلمية، – كما اقتحمت مستشفى “ابن سينا” في مدينة جنين بالضفة الغربية وقتلت جريحا في فراشه، دون أن تتخذ واشنطن أو أوروبا أو الجنائية الدولية أي خطوة.

منطقة قتل

وكشف انسحاب قوات الاحتلال الصهيوني من مجمع الشفاء الطبي في غزة – والمناطق المحيطة به، – عن فظائع وحشية. وقالت مصادر أمنية فلسطينية إن طواقم الدفاع المدني انتشلت ما يقارب 300 جثة. وأوضحت أن جثث الشهداء كانت ملقاة في كل مكان من المستشفى، في حين ظهرت على بعضها علامات التحلل.

وكانت صحيفة “هآرتس”، قد أكدت أن (الجيش) الصهيوني “يخلق منطقة قتل”، وأن وجود أي قوة عسكرية في أي مكان أو أي مبنى يجعلها “منطقة قتل مباشر”، وبالتالي يصبح القتل العشوائي لكل من هو فلسطيني جزءا من الخطة، كما يقول حنا.

ومن جهة أخرى أعلنت منظمة “ورلد سنترال كيتشن” (المطبخ المركزي العالمي) وقف عملياتها مؤقتا وبشكل فوري في قطاع غزة، بعد مقتل 7 من أعضاء فريقها بغارة جوية صهيونية.

وقالت المنظمة إن فريقها المستهدف كان يتحرك في منطقة منزوعة السلاح بسيارتين مصفحتين ومركبة أخرى تحمل شعار المنظمة، لكنه تعرض للقصف أثناء مغادرته مستودعا بدير البلح بعد تفريغ أكثر من 100 طن من المساعدات الغذائية الإنسانية، رغم تنسيق التحرك مع الجيش الصهيوني.

وأوضحت المنظمة الإغاثية أن القتلى السبعة من أستراليا وبولندا وبريطانيا وبعضهم لديهم جنسيات مزدوجة من أمريكا وكندا وفلسطين. وقالت إيرين جور، الرئيسة التنفيذية للمنظمة إن الهجوم ليس على المطبخ المركزي العالمي فحسب، بل على جميع المنظمات الإنسانية.

القتلى السبعة

من جهته، أعرب مؤسس المنظمة خوسيه أندريس عن حزنه لمقتل أعضاء في المنظمة بالغارة الصهيونية، ودعا – في منشور على منصة إكس – سلطة الاحتلال إلى الكف عن “القتل العشوائي”، وعن فرض قيود على المساعدات الإنسانية، كما طالبها بوقف استخدام الغذاء سلاحا.

وكانت منظمة ورلد سنترال كيتشن – ومقرها الولايات المتحدة – قد نظمت بالتعاون مع جمعية “أوبن آرمز” (الأذرع المفتوحة) الإسبانية، شحنات من المساعدات الإنسانية إلى غزة تم إرسالها عبر سفينتين أبحرتا من قبرص في 12 و30 مارس.

ونددت حماس بأشد العبارات باستهداف جيش الاحتلال للعاملين بمنظمة المطبخ المركزي العالمي جنوب دير البلح. وطالبت حماس المجتمع الدولي ومجلس الأمن بإدانة هذا الفعل والتحرك لوضع حد لجرائم الاحتلال وعدوانه على الشعب الفلسطيني، وفقا للبيان.

وفي سياق متصل، وزعت فرنسا مشروع قرار جديد على أعضاء مجلس الأمن الدولي يدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار ويضمن حماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني وإيصال المساعدات إلى مستحقيها.

وقال المندوب الفرنسي الدائم لدى مجلس الأمن نيكولا دي ريفير إن مشروع القرار تناول إعادة الإعمار والإنعاش والحكم في قطاع غزة ويعالج الأسباب الجذرية لهذه الأزمة.

ومن جانبها، أعلنت اليابان استئناف تمويلها لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) التابعة للأمم المتحدة، مؤكدة أنه لا يمكن الاستغناء عن دور الوكالة لمواجهة الأزمة الإنسانية في قطاع غزة جراء (الحرب).

في مقابل صمود فلسطيني مُبهر..

الكيان يدخل منعطف التفكّك والزوال

أبرز المحلّل السياسي الفلسطيني عبد الله العقرباوي، أنّ هزيمة وخسارة “إسرائيل” على كل الجبهات وعلى كافة المستويات في حربها الشعواء التي تشنها منذ ستة أشهر كاملة ضدّ الآمنين في بيوتهم في قطاع غزة، كانت نتيجةً متوقعة، بالرغم من أنّ فارق القوة العسكرية والمادية بين فصائل المقاومة الفلسطينية وقوات الاحتلال الصهيوني معلوم لدى العام والخاص، إضافةً إلى الدعم المنقطع النظير الذي يحظى به “جيش” الاحتلال من أكبر خمس دول عسكرية في العالم، زِد على ذلك الغطاء السياسي غير المسبوق الذي منحته الولايات المتحدة الأمريكية للكيان الصهيوني لمواصلة عدوانه الهمجي على الشعب الفلسطيني الأعزل في القطاع.

وفي هذا الصدد، أوضح العقرباوي في تصريح لـ “الأيام نيوز”، أنّ “جيش” الاحتلال الإسرائيلي لم يستفق بعد من صدمة “طوفان الأقصى”، وبعد الهزيمة النكراء التي تعرّض لها بتاريخ السابع من أكتوبر 2023 زاد حقد هذا الاحتلال الجائر ورغبته في الانتقام والتعويض النفسي، فلم يجد سبيلا لذلك غير ارتكاب المزيد من الجرائم المروعة وحرب الإبادة الجماعية بحق الأبرياء والعزل في مجازر يُندى لها جبين الإنسانية ولم يشهد لها التاريخ الحديث مثيلا.

في السياق ذاته، أشار محدثنا إلى أنّ هذه الحرب تتجاوز دلالاتها البعد العسكري والمادي والتدمير وحرب الإبادة والقتل وما إلى ذلك، حيث أنّ كل جانب له أهدافه الخاصة التي سطرها ويسعى إلى ترجمتها وتجسيدها على أرض الواقع، وبناءً على مدى قدرة كل طرف على تحقيق أهدافه المسطّرة يمكن تحديد أيّ فريق انتصر وأيّ فريق انهزم وخسر في نهاية المطاف.

وفي هذا الإطار، أبرز الخبير في السياسة، أنّ الكيان الصهيوني مع بداية عدوانه السافر على قطاع غزّة، رفع ثلاثة شعارات أساسية، الشعار الأول يتعلق بإعادة الرهائن أو الأسرى الصهاينة المحتجزين لدى المقاومة، وهو الأمر الذي لم يتم إلى حدّ هذه اللحظة، ولن يتم إلا من خلال التوصّل إلى إبرام صفقة تبادل وبرغبة ووفق شروط تُحدّدها المقاومة الفلسطينية الباسلة، الأمر الثاني هو القضاء على حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، وهذا الأمر كذلك لم يتم، وعودة الاحتلال مُجددا إلى مستشفى الشفاء أكّدت ذلك، كما أنّ محاولات إيجاد بديل عن حماس في قطاع غزّة، كلها باءت بالفشل وكان آخرها محاولات عناصر من جهاز المخابرات الفلسطينية التابع إلى سلطة رام الله للأسف الشديد الدخول إلى القطاع بعد التنسيق مع الشاباك وجيش الاحتلال تحت ذريعة تأمين توزيع المساعدات الإنسانية، حيث نجحت المقاومة في إلقاء القبض على هؤلاء المتسللين ووضعتهم في الحجز وهم رهن التحقيق الآن.

إلى جانب ذلك، تحدّث العقرباوي عن إعلان قادة العدوّ الصهيوني عن رغبتهم في تهجير الشعب الفلسطيني خارج قطاع غزّة، إلا أنّ الاحتلال الإسرائيلي اصطدم بثبات وإصرار الفلسطينيين وتمسّكهم بأرضهم بالرغم من حجم التضحيات الجِسّام التي قدّمها أهل غزة الأحرار، بعد أن تجاوز عدد الشهداء 32 ألف شهيداً وأكثر من 75 ألف جريحاً معظمهم من الأطفال والنساء.

في سياق متصل، أبرز المحلّل السياسي أنّ شرعية “إسرائيل” على المستوى الدولي بدأت تسقط يوماً بعد يوم، بعد أن وقف العالم بأسره على حقيقة هذا الكيان ومدى وحشيته وعدم إنسانيته من خلال مشاهد القتل والتنكيل التي تمادى الاحتلال في ارتكابها بحق الغزيين، والتي تناقلت مشاهدها مختلف وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي التي فضحت على الملء الوجه الدموي والحقيقي للاحتلال الصهيوني، الذي كان يريد ومع بداية معركة “طوفان الأقصى” أن يضع المقاومة الفلسطينية في قفص الاتهام ويصوّرها للعالم على أنها حركة إرهابية تغتصب الأطفال والنساء، في محاولة يائسة وبائسة لتشويه صورة وسمعة المقاومة، لكن في نهاية المطاف الاحتلال وداعميه هو من يجلس في قفص الاتهام اليوم، وعملية نزع الشرعية عنه تعزّز يوما بعد يوم.

وفي هذا الشأن، تطرق العقرباوي إلى الجهد الجزائري في مجلس الأمن الذي سجّل قرارا غير مسبوق في تاريخ الصراع العربي الصهيوني، والذي يقضي بوقف فوري لإطلاق النار في قطاع غزّة، هذا القرار الذي جاء على خلاف رغبة “إسرائيل” بعد أن امتنعت الولايات المتحدة الأمريكية عن التصويت، وهذا بحدّ ذاته يعدُّ إنجازاً له ما بعده.

هذا، وأردف محدث “الأيام نيوز” قائلا: “إنّ رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو أيضا كان يريد توحيد الصف الإسرائيلي الداخلي وإطالة أمد حكمه وإدامة حكومته الفاشية مستغلاً في ذلك الحرب على قطاع غزة، إلا أنّ هذا لم يدم إلا أشهرا قليلة، وعادت الخلافات والانقسامات السياسية مجدّدا إلى “إسرائيل”، وباعتقادي أنّ هذه الخلافات ستزداد حدّتها بعد نهاية هذا العدوان، لأنّ هذه الحرب الشعواء على غزّة أضعفت الكيان وجيشه وأضعفت الحكومة والروح المعنوية داخل ما يسمّى بـ”المجتمع الإسرائيلي ككل”.

في السياق ذاته، أوضح المحلّل السياسي، أنّه وبمجرد أن تبدأ لجان التحقيق عملها فيما يخص فشل الأجهزة الأمنية والجيش والحكومة، يبدأ معها مسلسل تحميل المسؤولية لبعضهم البعض، وستزداد معها حدّة الخلافات الداخلية، التي تنتمي أصلا إلى خلاف إيديولوجي وفكري ومناطقي وعرقي، شرقي غربي، حريديم وعلمانيين، ودينيين وغير دينيين، كل ذلك سيكون أكثر تعقيداً بعد نهاية الحرب.

خِتاماً، أبرز المحلّل السياسي الفلسطيني عبد الله العقرباوي، أنّ غزّة ستزهر مُجددا وستتعافى من حجم وهول ما تعرضت له من قصف واستهداف ممنهج لكل ما ينبض بالحياة في القطاع، أما “إسرائيل” فلن تُشفى أبدا من وقع الضربة التي تلقتها على أيدي رجالات المقاومة الأشاوس ذات فجر سبتٍ أسود، وسيبقى تاريخ السابع من أكتوبر 2023 هاجسا لهذا الكيان الذي دخل في منعطف التفكّك والزوال ودخل في منعطف الهزائم العسكرية، ولن يعود هذا الكيان عن هذا كله بل ستستمر هزائمه وتتوالى وتتتابع، على عكس غزّة فهناك فوارق كبيرة جدّا بين المجتمع الصهيوني والمجتمع الفلسطيني، على غرار البعد المعنوي والإيماني والنضالي والتاريخي والقدرة على التحمّل وما إلى ذلك، كلها عوامل تجعل صاحب الحق والأرض من ينتصر في النهاية.

بعد ستة أشهر من العدوان..

تفكّك الكيان الصهيوني مسألة وقت

أكّد الناطق الإعلامي باسم حركة حماس، جهاد طه، أنه وبعد مرور نصف سنة كاملة على بداية العدوان الصهيوني السافر على قطاع غزّة، لا تزالُ غزّة صامدة على أرض الميدان ولا تزال المقاومة الفلسطينية قادرة على تكبيد “جيش” الاحتلال الصهيوني مزيدًا من الخسائر في الأفراد والمعدات، وما تزال المقاومة الباسلة تحقّق الإنجازات والانتصارات في مواجهة العدوان الصهيوني الذي يتواصل لستة أشهر متتالية، مُخلفًا بذلك مئات المجازر الدامية بحق المدنيين في قطاع غزة، معظمهم من الأطفال والنساء، ويستمر في قصفه واستهدافه الممنهج للقضاء على كل مقومات الحياة في القطاع، بما فيها المستشفيات والمراكز الصحية التي خرج العديد منها عن الخدمة، بالإضافة إلى مراكز الإغاثة وكل ما ينبض بالحياة في القطاع.

وفي هذا الصدد، أوضح الأستاذ طه، في تصريح لـ “الأيام نيوز”، أنه وبالرغم من آلة الحرب الصهيونية والظروف القاهرة التي يعيشها القطاع، إلا أنّ المقاومة اليوم ما تزال حاضرة على الأرض، وهي تواصل وبكل ضراوة صدّ هجمات “جيش” الاحتلال الصهيوني في معارك واشتباكات ضارية، ملحقةً به أضرارا جسيمة من خلال تدمير عشرات الآليات العسكرية كليًا أو جزئيًا، في عمليات تنفذها المقاومة من مسافة الصفر وبشكلٍ مباشر، عبر محاور القتال كافة في قطاع غزة.

في السياق ذاته، أبرز محدّثنا أن ما تقوم به المقاومة الفلسطينية، من خلال عملياتها النوعية في التصدّي لجيش الاحتلال الإسرائيلي، يحملُ أبعادًا إستراتيجية وأساسية في تاريخ الصراع مع الكيان الصهيوني، حيث كانت المعركة التي خاضها رجال المقاومة بتاريخ السابع من أكتوبر الماضي ضربة موجعة وهزيمة نكراء للاحتلال الصهيوني، هشمت صورته السياسية والعسكرية والاستخباراتية، وشكّلت نقطة مفصلية، وأضفت تغييرات أساسية فيما يتعلق بالصراع العربي – الإسرائيلي وليس فقط الإسرائيلي – الفلسطيني بكل أبعاده، كما ستكون نتائجها البطولية أهم وأكبر من جميع المعارك التي خاضتها الجيوش العربية ضدّ الاحتلال الإسرائيلي عبر التاريخ.

هذا، وأشار الأستاذ طه إلى أنّ المقاومة الفلسطينية اليوم، ومن خلال وحدتها وبكل ألوانها الوطنية والسياسية، برهنت على أنها جسم واحد يقاوم ويمضي في مسيرة المقاومة من أجل فلسطين ومن أجل انتزاع حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة على أرض فلسطين المباركة، منوّها – في السياق ذاته – بأنّ هذا الصمود المبهر لأهل غزّة والإنجازات التي حقّقتها المقاومة أثبتا صحة نظريتها ورؤيتها التي تعتبرها الطريق الوحيد والسبيل الوحيد من أجل دحر الاحتلال الصهيوني وإزالة هذا الكيان الصهيوني الجاثم على أرض فلسطين المباركة.

خِتامًا، أبرز الناطق الإعلامي باسم حركة حماس، جهاد طه، أنّ ملامح التفكّك داخل الكيان الصهيوني بدت اليوم واضحة جدّا، بعد أن تمّ نقل المعركة إلى داخل “إسرائيل”، وتحوّلها إلى معارك سياسية وتشققات وتصدعات داخل الكيان، وبالتالي فإنّ استمرار العدوان على غزة لمدة أطول سيؤدي – لا محالة – إلى تفكّك الكيان وانهياره، وإمكانية جرّ بعض الدول معه، بدايةً بالولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن بدت انعكاسات العدوان الصهيوني على القطاع واضحة وجليّة على إدارة بايدن.

دليل أزمة وجودية..

الصراع الداخلي في “المجتمع الصهيوني” يحتدم

بقلم: علي أبو حبله – محام فلسطيني

بغضّ النّظر عن تداعيات الحرب “الإسرائيلية” الوحشية الحالية على غزّة، فقد انهارت نظريّة الأمن “الإسرائيلية”، وتهاوت معها نظريات “كي الوعي” و”جزّ العشب”، وأثبتت مقاربة “المعركة بين الحروب” فشل “إسرائيل” في تحقيق أهدافها في حربها على غزّة وتعكس تصريحات قادة الاحتلال على وقع الصّدمة، وعلى وقع أزمة ثقة تهزّ الجيش وأجهزة الاستخبارات “الإسرائيلية”، وانتهى النّموذج الأمني والإستراتيجي السّابق، وهو ما يعني أنّهم بصدد البحث عن فرض “نموذج جديد” وبناء نظرية أمن جديدة، ترمّم جاذبية “إسرائيل” وسمعتها المنهارة كملاذ آمن لليهود من أنحاء العالم.

وبعد معركة “طوفان الأقصى” وتداعيات الحرب على غزّة بفعل التّباينات الدّاخلية والصّراع بين الأحزاب اليمينية الأصولية الحريديم والأحزاب العلمانية، فإنّ “إسرائيل” تعيش أزمة وجود ويمكن تلخيص ذلك وفق التّحليلات وتتمثّل في:

أولاً: انقسام ما يسمّى بـ”المجتمع الإسرائيلي” بشكل عام إلى قسمين عموديين، يميني ويساري، وذلك وفقًا للاعتبارات والمعايير “الإسرائيلية” طبعًا، مع ميل كبير لصالح التّوجّهات اليمينية (حتّى في أوساط اليسار)، سيما في المسائل الخاصّة بالسّياسة الخارجية، والمسألة الفلسطينية.

ثانيًا: بروز تناقضات في “المجتمع الإسرائيلي” ويمكن وصفه بالصّراع القبلي في القضايا الدّاخلية والمجتمعية والدّينية والإثنيّة. فثمّة معسكر العلمانيين، الذي يضمّ قطاعات يسارية ويمينية وقومية، وثمّة قطاع المتديّنين، الذي يضمّ قطاعات من اليمين والقوميين أيضًا، ناهيك عن وجود كتلة صلبة للمعسكر الدّيني تتألّف من حزبي “شاس” لليهود الشرقيين و”يهوديت هاتوراه” لليهود الغربيين وحزب الصّهيونية الصّاعدة لابن غفير، وطبيعي أنّ تلك التّناقضات تتمركز حول علاقة الدّين بالدّولة ومكانة الأحزاب الدّينية، ومسألة الخدمة العامّة، والموازنات، والأنشطة العامّة في أيام السّبت.

قانون التّجنيد يعمّق ويعظّم الخلافات في حكومة نتنياهو ممّا اضطرّه لتأجيله على ضوء تصاعد الخلافات بين الائتلاف الحاكم والمعارضة، فقد شدّد زعيم المعارضة يائير لابيد على ضرورة تجنيد الشّباب الحريديم على الفور، فيما هدّد الوزير في مجلس الحرب بيني غانتس، بالانسحاب من الحكومة في حال تمّ إقرار قانون التّجنيد.

ودعا لابيد الوزير في مجلس الحرب الصّهيوني بيني غانتس، ورئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي السّابق وعضو مجلس الحرب غادي آيزنكوت، إلى استخدام الفيتو ضدّ القانون، مطالباً بتجنيد الشباب الحريديم المتدينين على الفور.

وكان زعيم المعارضة قد قال في منشور عبر منصة “إكس”: إنّ “مشروع قانون التّجنيد هو وجه لأفظع حكومة في تاريخ إسرائيل”، وتابع قائلًا: “هذا عار ومن يستمر في الجلوس في هذه الحكومة فهو مشارك في هذا العار”.

فيما هدّد الحاخام الأكبر لليهود السفارديم، يتسحاق يوسف، بأنّ اليهود الأرثوذكس المتشدّدين سيغادرون “إسرائيل” بشكل جماعي إذا أنهت الحكومة الإعفاء من التّجنيد الإلزامي.

ونقلت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” عن يوسف قوله خلال محاضرة أسبوعية: “إذا أجبرتهم (الحكومة) على الذّهاب إلى الجيش، فسنغادر جميعًا إلى الخارج”. ويوسف هو نجل الزّعيم الرّوحي لحزب “شاس”، الرّاحل عوفاديا يوسف، ويتمتّع بنفوذ كبير في الحزب الذي يشكّل جزءا من ائتلاف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

ويشكّل اليهود المتشدّدون 13 بالمائة من سكّان “إسرائيل”، وهي نسبة من المتوقّع أن تزيد إلى 19 بالمائة بحلول 2035 بسبب ارتفاع معدّلات المواليد بينهم، ويقول خبراء اقتصاديون إنّ الإعفاء من التّجنيد يبقي بعضهم في المعاهد اللّاهوتية بلا داعٍ وخارج القوّة العاملة.

“إسرائيل” مازالت تعاني من الانقسامات الإثنية، هذا عدا عن الانقسام التّقليدي المعروف بين جمهور اليهود الشّرقيين (السفارديم) واليهود الغربيين (الإشكناز)، فقد بات ثمّة معسكر لليهود الرّوس أيضا، من القادمين الجدد (في عقد التّسعينيات) وعددهم حوالي مليونين أو يزيد، وهؤلاء لهم حزب كبير ونشط هو “إسرائيل بيتنا”، بزعامة أفيغدور ليبرمان، اليميني القومي العلماني، كما ثمّة العرب، أي الفلسطينيين من أهل البلد الأصليين، وهؤلاء يمثّلون خمس سكّان الكيان الصّهيوني (20 بالمائة)، ولهم كتلة نيابية في الكنيست (للأحزاب العربية) تتألّف من 10 نائبًا، وهم باتوا يشغلون حيّزًا مهمًّا في السّياسة “الإسرائيلية”، إن بوجودهم داخلها، أو باعتبارهم جزءا من الشّعب الفلسطيني.

ثمّة استنتاجات كثيرة من وراء ذلك، ربّما أهمّها، أنّ “إسرائيل” بعد سبعة عقود ونيّف على قيامها باتت تعيش تناقضاتها الخاصّة، والمتحكّمة بكلّ مفاصلها منذ إقامتها، بمعنى أنّ هذا الكيان، التي طالما تعمّدت طبقتها السّياسية إعلاء شأن الصّراع الوجودي لـ”إسرائيل” مع جوارها العربي، باتت من دون هذه المعزوفة، ويمكن القول أنّ تعنّت نتنياهو في إطالة أمد الحرب يصبّ في صالح نتنياهو ومصالحه الضّيقة وخشيته من انعكاس وقف الحرب على التحلّل الدّاخلي للمجتمع “الإسرائيلي” المنقسم أصلًا على نفسه وهذا يؤكّد أنّ التّناقضات داخل المجتمع “الإسرائيلي” يجعله يعيش مرحلة أزمة الوجود.

لعنة الربيع الصهيوني..

طوفان الأقصى يهزّ “إسرائيل” من الجذور

بقلم: إبراهيم باجس عبد المجيد – باحث مقدسي

الحديث عن الطّوفان لا ينقضي ولا ينتهي، وكلّ يوم فيه حكاية، بل حكايات عن الطّوفان، وحكايتنا اليوم عن هذه المظاهرات العارمة والصّاخبة التي تجتاح “المجتمع الصّهيوني”، مطالبةً بعزل رئيس وزرائهم بنيامين نتنياهو وإسقاط حكومته. ونرى زخم هذه المظاهرات يتعاظم يوماً بعد يوم، وفي كثير من المدن الفلسطينية المحتلة، حتّى بلغ عدد المشاركين فيها مآت الآلاف، كلّهم يهتفون بـ (الشّعب يريد إسقاط النّظام) على حدّ تعبير المصطلح العربي في هكذا حالات.

لكن مهلاً يا سادة! هل نتنياهو وحده هو المسؤول عمَّا جرى “للمجتمع الصّهيوني”، وما يجري أيضًا من إبادة جماعية للشّعب الفلسطيني؟ وهل حكومته الكبيرة أو المصغَّرة هي المسؤولة عن ذلك؟ وهل (مجلس الحرب) الصّهيوني هو أيضاً المسؤول الوحيد عمَّا يجري في فلسطين؛ لليهودي الغاصبين من جهة، وللقتل الذّريع وتدمير كلّ شيء الذي يمارس على الفلسطينيين من جهة أخرى؟

واسمحوا لي أن أقول: من يرى ذلك، فإنّه ينظر بنصف عين أو أقلّ منها، ومن يفكّر هذا التّفكير، فإنّه يتَّصف بضيق الأُفق في تفكيره. فالذي يعرف “المجتمع الصّهيوني” في فلسطين، والذي يغوص في بواطنه، ومن خلال معايشتنا له واحتكاكنا المباشر به، يدرك أنّ هذا المجتمع كلُّه (نتنياهو)، وأنه كلُّه (مجلس حرب).

“المجتمع الصّهيوني” كلّه مجتمع استيطاني استعماري من الدّرجة الأولى، وإن اختلفت توجّهاته السّياسية والأيدولوجية، وإن اختلفت رُؤاه في كيفية التّعامل مع الأحداث التي تعصف به، وأهمّها هذا (الطّوفان) الذي اجتاحه وخلخَل كيانه.

كثير من النّاس، الذين لا يعرفون بنية “المجتمع الصّهيوني”، ينخدعون بمصطلح (الصّقور والحمائم)، أو (المتدينين والعلمانيين)، ويظنّون أنّ الطّرف الأول هو طرف متشدّد جدًّا في التّعامل مع الفلسطيني، بينما الثّاني هو حَمَل وديع، يعطف ويحنو على فلسطين وأهل فلسطين، ويريد التخلُّص من نتنياهو وتياره المتشدّد حتّى ينعم الفلسطينيون بأمن وأمان وسِلم وسلام.

وأقول مرة أخرى: مهلاً يا سادة؛ الأمر على غير ما تعتقدون تماماً. وأنا دائماً ما أوضِّح لإخواننا العرب والمسلمين، بل لغيرهم من النّاس من الغربيين المتعاطفين مع القضيّة الفلسطينية، والذي جميعاً يرون هذه النّظرة، ويفكّرون هذا التّفكير، أنّ هناك صقورًا وحمائمَ في “المجتمع الصّهيوني”، وأنّ القيادة الحالية وحدها هي المسؤولة عمَّا يحدث من تنكيل وقتل وتشريد للفلسطينيين، وأقول لهم إنّ هذه النظرة قاصرة والفكرة خاطئة.

ولْأضرب مثالاً على ذلك: (اليهود الحريديم)، الذين برزت مؤخّرًا على سطح (الطّوفان) قضيّة تكاد تعصف بالكيان الصّهيوني، وهي قضية هؤلاء اليهود المتشدّدين (الحريديم)، بعد سعي حكومة اليمين الصّهيوني بقيادة بنيامين نتنياهو، إلى إقرار مشروع قانون يستثني الحريديم من الخدمة العسكرية. فهذه الطّائفة من اليهود معفاة من الخدمة العسكرية، بل يرفضون أشدّ الرّفض الخدمة في صفوف “جيش” الاحتلال. فهل يعني ذلك أنّهم رافضون لهذا الاحتلال، أو رافضون لقتل الفلسطينيين وإبادتهم وتهجيرهم من أرضهم التّاريخية.

كلَّا، فالأمر على خلاف ذلك تماماً، فهم من أشدّ الطّوائف والتّيارات اليهودية والصّهيونية عداءً للفلسطينيين، ويسعون بكلّ ما أُوتوا من قوّة إلى إبادة الشّعب الفلسطيني، ولكنّهم يسيرون على مبدأ أسلافهم (اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون).

ولو نظرنا نظرة فاحصة إلى الطّرف المغاير من هذا التّيار، وهو الطّرف العلماني اليساري، ومنه حزب (ميرتس)، الذي يُظهر نوعاً من التّعاطف مع الشّعب الفلسطيني، لاكتشفنا أنّ هذا التّعاطف الظاهري يخفي وراءه حقداً أسودًا على كلّ ما هو فلسطيني، ويرون أنّ الفلسطينيين هم مواطنون من الدّرجة الثّانية يقيمون على “أرض إسرائيل”.

لو كان هذا التّعاطف العلماني واليساري صادقاً مع الفلسطينيين ومع حقوقهم المغتصبة والمهضومة، لقالوا لنتنياهو ولحكومته المتشدّدة: “ارحلوا عن هذه الأرض ودعوها لأصحابهم الأصليين”، ولفعلوا هم (أعني العلمانيين) ذلك قبل أن يطلبوه من المتديّنين المتشدّدين، ولَخرجوا من فلسطين وتركوها لأهلها.

وأخيراً أقول مؤكِّداً أنّ المشكلة ليست في نتنياهو ولا في حزبه ولا في مجلس حربه، بل هي في بِنية التّفكير والأيدلوجيا القائمة في ذهن الشّعب اليهودي، الذي يسعى بكلّ ما أُوتي من جهد وقوّة إلى إبادة هذا الشّعب الأعزل، وإنّ اختلفت الوسائل والأدوات التي يستخدمها، سواءً أكانت مادية أو فكرية أو إعلامية، أو غير ذلك. فقد تعاقبت على هذا الكيان، ومنذ تأسيسه، حكومات متعدّدة، منها اليميني المتطرّف، ومنها العلماني اليساري، ومنها ما هو محسوب على الصّقور، ومنها ما يسمّونهم الحمائم. تغيّرت أسماء هذه الحكومات، لكن مسمّاها وأفعالها لم يتغيّر ولم يتبدّل، من قتل وتشريد للفلسطينيين، وهدم للبنية التّحتية في مدن فلسطين وقراها.

الأيام نيوز - الجزائر

الأيام نيوز - الجزائر

اقرأ أيضا